د. أحمد يوسف أحمد
في 9 مارس الماضي، كشف الرئيس اللبناني چوزيف عون عن مبادرة لإنهاء الحرب مع إسرائيل، تتكون من أربع نقاط أساسية؛ أولها: وقف فوري وشامل لإطلاق النار. والثانية: مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية دولية. والثالثة: نشر الجيش اللبناني في الجنوب، وتجريد “حزب الله” من سلاحه. والرابعة (الأخيرة): ترتيبات أمنية دائمة.
وفي 14 أبريل، جرت أول جولة مفاوضات مباشرة في الخارجية الأمريكية.. بحضور سفيري البلدين. وفي 16 أبريل.. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام. وفي 23 أبريل عُقِدت الجولة الثانية في البيت الأبيض، التي نجحت في تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع إضافية. وقد تفاءل البعض بأن تكون هذه الخطوة مقدمة لسلام لبناني-إسرائيلي عادل، خاصة على ضوء الرعاية الأمريكية لها، وفي هذا السياق أسوق الملاحظات الثلاث التالية.. التي تخص راعي المفاوضات وطرفيها.
أما دور الراعي.. وهو محور الملاحظة الأولى، فقد عجز – على أهميته – عن التوصل لأي نتائج حاسمة.. في الملفات التي تصدى للتفاوض فيها. وأخص بالذكر أهم ملفين؛ وهما ملف الحرب في أوكرانيا، وحرب إسرائيل على غزة. ففي الحالة الأوكرانية، نذكر أن ترامب منذ حملته الانتخابية الرئاسية 2024، قد ركز على أنه لو كان رئيساً لما نشبت الحرب، وأكد قدرته على إنهائها، وبدا هذا محتملاً بعد فوزه، لأنه تبنى نهجاً مغايراً لنهج سلفه؛ مفاده القبول – من حيث المبدأ – بالمكاسب الإقليمية التي حققتها روسيا، ورفض انضمام أوكرانيا لحلف الأطلنطي، وهو ما كان من شأنه استرضاء روسيا.
وقد واجه هذا النهج معارضة أوروبية – لم تصل لحد الصدام معه – وكذلك أوكرانية بطبيعة الحال، وإن بدا الرئيس الأوكراني منخرطاً في العملية. وحدث ما نعرفه من صدام بينه وبين ترامب.. ثم ترضية له، وثناء على الرئيس الروسي، ثم انتقاد له؛ وكلها ممارسات عوَّدنا ترامب عليها. لكن المهم أن شيئاً لم يتحقق حتى الآن.
وفي ملف غزة.. اختلف الأمر، فقد بدأ بأفكار ترامب حول تهجير سكانها لمصر والأردن، وجعلها «ريفيبرا الشرق الأوسط»، ثم خرج علينا بعد شهور، ونتيجة المعارضة الحاسمة – المعلنة من الرئيس السيسي، وما أدت إليه من بلورة موقف عربي رافض حظي بمساندة دولية قوية – خرج بخطة.. تخلت (ولو تكتيكياً) عن هدف التهجير، وتحدثت عن انسحاب إسرائيلي.. يتزامن مع نزع سلاح المقاومة، وآفاق غامضة لدولة فلسطينية. وتُرجمت الخطة لاحقاً في القرار 2803 لمجلس الأمن.. الذي لم يُنفَّذ منه شيء جوهري تقريباً؛ فلا إسرائيل التزمت بوقف إطلاق النار، ولا أدخلت المساعدات بالمعدلات المنصوص عليها، ولا قوة تحقيق الاستقرار تشكلت، ولا أي جهد منظم لإنجاز انسحاب.. يتزامن مع نزع سلاح المقاومة تم.
والخلاصة – التي أريد تأكيدها – أن مجرد الرعاية الأمريكية للمفاوضات.. على أهميتها، لم تُفضِ لنجاحها، ولا ننسى أن ترامب عالق حتى الآن في مفاوضاته مع إيران. ومن الواضح أن خبرة الفريق الدبلوماسي الأمريكي الراهن.. غير كافية لإيجاد حلول للمسائل المعقدة التي تنطوي عليها هذه المفاوضات، ناهيك بالانحياز الأمريكي (لروسيا في الحالة الأوكرانية، ولإسرائيل في الحالة الفلسطينية) اللذين كانا عاملين غير مواتيين لنجاح المفاوضات.
أما الملاحظة الثانية.. فتخص إسرائيل.. التي يُجاهر رئيس وزرائها بطموحاته التوسعية – التي تمس لبنان وغيره – ناهيك بتاريخه التوسعي الذي شهد احتلالاً كاملاً للبنان في 1982 وتمت هزيمته. واحتلالاً جزئياً بعد ذلك لما سمته بالشريط الآمني.. الذي أجبرت المقاومة إسرائيل على الفرار منه في 2000. ومن ناحية ثانية، تطبق إسرائيل في لبنان مفهومها لوقف إطلاق النار الذي طبقته في غزة؛ وهو أنه يخص المقاومة ولا يخصها، ولذلك فهي مستمرة في القتل والتدمير. وللأسف فإن إعلان وقف إطلاق النار الأخير.. يعطيها حرية حركة كاملة في هذا الصدد؛ إذ ينص على أن تحتفظ «بحقها في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس.. في أي وقت، ضد أي هجمات مخططة أو وشيكة أو جارية». ولنتوقف عند كلمتي «مخططة ووشيكة».. فهما تعطيان إسرائيل الحق في مهاجمة أي أهداف، بحجة أنه يجري التخطيط فيها لعمل ضدها، أو أن هذا العمل قد اقترب. وأخيراً فإن سياسة الأحزمة الأمنية، وتهجير السكان وتدمير ممتلكاتهم، وسرقة ما يمكن سرقته منها.. سياسة مطبقة على أرض الواقع في لبنان، وكلها تمثل عوائق حقيقية أمام السلام.
وتخص الملاحظة الثالثة (الأخيرة).. لبنان، الذي يدخل المفاوضات – للأسف – بجبهة داخلية غير موحدة. ووفقاً للخبرة التاريخية للمفاوضات، فإنه لا يوجد إجماع عادة على التفاوض في حالات الصراعات المزمنة، ويكفي دائماً وجود أغلبية مريحة.. حتى لا يهدد الخلاف حول التفاوض الوحدة الوطنية. لكن وجود هذه الأغلبية في المفاوضات الحالية ليس واضحاً، ويفاقم من هذه الحالة.. أن إسرائيل تحاول أن تعطي الانطباع، بأن أحد أهداف التفاوض.. أن تتعاون مع لبنان في القضاء على مقاومته؛ وهو هدف من شأنه.. أن يهدد بحرب أهلية.
ولذلك، أتصور أنه إذا كانت الحكومة اللبنانية قد مدت يدها الأولى لإسرائيل.. لإنقاذ لبنان من ويلات العدوان الخارجي، فعليها أن تمد يدها الثانية لرافضي النهج التفاوضي.. لحماية الوطن من الانقسام الداخلي، وبينهم من العقلاء ما يسمح بالتوصل لكلمة سواء، سوف ترفضها إسرائيل بطبيعة الحال.
لكن لبنان سوف يكون أقوى في مواجهتها، وأتصور أن ما يمكن أن يساعد على التوصل لكلمة السواء هذه.. أن يتم توسيع آفاق التفاوض، ليصل إلى إنجاز سلام شامل.. يضمن انسحاب إسرائيل من كل شبر في لبنان، مع ضمانات كاملة وأكيدة لأمنه، لأنه ليس صحيحاً أن إسرائيل هي التي تحتاج وحدها لما يضمن أمنها، وساعتها يمكن بسهولة إسقاط ذريعة وجود السلاح في غير يد الدولة، ويمكن من ثم التوصل للنزع الكامل لأي سلاح خارج سيطرتها.
حفظ الله لبنان الحبيب، ووقاه شر الفتنة.
نقلاً عن «الأهرام»