مصطفى حجازي
ظهر بنيامين نتنياهو يوم السبت، الخامس والعشرين من أبريل الماضي، في أحد خطاباته المتلفزة – التي تكاد لا تنتهي – خلفه خريطة الشرق الأوسط بأكمله.. وبجانبها علم الكيان الصهيوني.. في إشارة بصرية لا تخفى على أحد. استرسل رئيس الوزراء الإرهابي ليؤكد المعنى في خطابة.. بأنه قد وعد بتغيير وجه الشرق الأوسط، وفي زَعمِه قد فعل.. وأنه قد وعد بأن تكون إسرائيل الكبرى بامتداد الشرق الأوسط.. وفي زَعمِه قد فعل. لا يتوانى «بي بي» عن بث كذباته الممنهجة، والمُخرَجة إعلامياً باحترافية لافتة.. محاولاً أن يشي إلى الداخل الإسرائيلي – كما إلى بقية من أصحاب الغفلة أو الوطر من داعمي إسرائيل – بأنه قائد مظفر لدولة صاعدة وقائدة.. دولة تحكم الشرق الأوسط بسلطة الأمر الواقع، القادرة على تركيع الخصوم.. بإفراط في القوة والوحشية.
يتحدث نتنياهو – في مرآته وإلى نفسه – فهو أول من يعرف أن إسرائيل لم تعد تخوض حروباً «اضطرارية».. لتحقيق أهداف سياسية محددة، بل هي عملية ممنهجة.. «للعسكرة الشاملة للوعي»؛ حيث تضحى الحرب هي الحالة الطبيعية والوحيدة.. الضامنة لتماسك الدولة وهويتها. فهو أكثر من يعرف أن المجتمع الإسرائيلي متصدِّع حتى النخاع. هي عقيدة «الحرب الأبدية» – إذاً – التي يلزم أن يحيا بها الكيان الإسرائيلي.. كضامن وحيد لإدامة المشروع الصهيوني الاستيطاني على أرض فلسطين.
وتزامناً مع التدليس الممنهج – الذي تمارسه آلة الإعلام الإسرائيلية، ونجمها الأول «بي بي» – يتناول ثلاثة من عقلاء ومنصفى اليهود.. تحليل ما انتهى إليه المجتمع الإسرائيلي، فيما يسمونه «سوسيولوجيا الصراع»؛ وهم إيلان بابيه، المؤرخ والأستاذ بجامعة إكستر، جدعون ليفي، الصحفي البارز في «هآرتس» الإسرائيلية، وأخيراً حاييم بريشيث، أستاذ الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن.. وثلاثتهم من يهود إسرائيل مولداً أو نشأة.
يؤكد ثلاثتهم.. أن المجتمع الصهيوني بكامله – وبدون استثناءات تقريباً – يجد في «الحرب الأبدية».. وسيلته للهروب من استحقاقات السلم، والتعايش مع محيطه الإنساني.. كشركاء مقبولين؛ فالسلام في المخيلة الإسرائيلية الراهنة.. هو «ضعف» أو «فخ». فقد ترسخت – وفقاً لإيلان بابيه – «عقلية القلعة»، التي لا ترى أمناً.. يتحقق بالاتفاقيات والسياسة، بل بالردع العنيف المستمر. وهذا التوجه – الذي حول الحرب من «وسيلة سياسية» إلى غاية في حد ذاتها، وأحال الدولة الإسرائيلية إلى كيان قتل منظم – يعتنق كل أدبيات الجريمة المنظمة، مُلَبَّسة رداء الدولة، ومتدثرة بشرعية القبول الدولي.
أسوأ ما رصده المحللون الثقات، هو تفكك الإجماع الأخلاقي للمجتمع الصهيوني، وتطبيعه مع الوحشية..! فمع طول أمد الصراع في غزة ولبنان، جَفَّ كل ما تبقى من رحيق إنسانية في الوجدان الصهيوني. وقد تبدَّى ذلك جلياً في حالة النشوة السيكوباتية، التي كان ينشر بها الجنود الإسرائيليون مقاطع مصورة لتدميرهم منازل غزة.. والعبث بمحتوياتها، والصراخ – بل والرقص الهستيري – بنشوة تشريد الأطفال.
يؤكد حاييم بريشيث.. أن المعاناة الإنسانية للخصوم، والإبادة العرقية للبشر والحجر – كما في غزة أو الضفة أو لبنان – لم تعد تشكل عبئاً أخلاقياً أو ضغطاً سياسياً على صانع القرار.. بل باتت تعتبر جزءاً ضرورياً من «إدارة الصراع». وهذا التبلد – كما يراه بريشيث – هو مؤشر واضح على مجتمع مريض، شاذ السلوك.
يرى ثلاثتهم.. أن مأزق «النصر المطلق» – الذي تتبناه حكومة الجوقة الصهيونية – فخ فكري.
في تقديري، تصنعه تلك الحكومة.. أكثر منها تستسلم له؛ فـ«بي بي» – قبل عصابته – يعرف أن «النصر المطلق».. غير قابل للتحقق من الناحية العسكرية. وعليه، فإن الإلحاح على السعي وراءه، يضمن ديمومة الحرب؛ تلك الديمومة التي تخدم بقاء الطغمة الحاكمة، وتحميها من المحاسبة.. على إخفاقات أمنية سابقة.
إن دعاوى تغيير وجه الشرق الأوسط، وأنه قد دان لإسرائيل.. دعاوى تعين على حالة «الإدمان الاستراتيجي» على القتل والتدمير. ومنطقها الحاكم، لا يقوم على كسب حرب لإنهاء الصراع، بل على «استدامة الصراع».. لتجنب مواجهة الأسئلة الوجودية؛ حول طبيعة الدولة ومستقبلها في المنطقة. اللافت تماماً.. أنه – وفي تلك اللحظة التاريخية الفارقة – يبرز مشهدٌ عبثي، يثير مزيجاً من الدهشة والشفقة في آنٍ؛ فبينما يئن «المشروع الصهيوني» تحت وطأة تصدعاته، وتكشف النخبة الفكرية الإسرائيلية ذاتها.. عن اهتراء «الشرعية الأخلاقية»، والتماسك الداخلي لدولتهم/ تخرج أصواتٌ إقليمية – وبدعوى النضج – تحاول «هندسة» وعي جديد.. تسوِّق لتصور مفاده، أن الكيان الإسرائيلي لم يعد العدو التاريخي، بل لم يعد عدواً بالأساس. وأن التحالف مع «المشروع الصهيوني»، هو ضرورة براجماتية لضمان التطور الحضاري.. قبل مواجهة خصوم إقليميين آخرين.
حالة مذهلة.. من الهرولة نحو سرابٍ يتبخر، والارتماء في أحضان مشروع.. لم يعد قادراً حتى على حماية «صورته» أمام العالم، ناهيك عن كونه عبئاً أخلاقياً واستراتيجياً.. على كافة حلفائه.
… كأنها «صهيونية الوقت الضائع»؛ رهان براجماتي خاسر، يحض على الاستثمار في «الإفلاس»..! فبعيداً عن العواطف – وإن سلمنا للمنطق البارد لـ«الربح والخسارة»، على حساب حقيقة الصراعات الوجودية، التي بها ما هو أعمق من الربح والخسارة المادية المباشرة – الرهان على إسرائيل هو رهان على حصان يحتضر. المشروع الصهيوني يعيش اليوم.. حالة شبه تامة من «التحلل العضوي»؛ فالدولة التي كانت تقدم نفسها كـ«واحة استقرار وتكنولوجيا»، تحولت إلى كيان مأزوم.. عاجز عن تعريف هويته، أو حسم صراعاته الداخلية.. جدار متآكل من داخله، تفتت بفعل التناقضات الأيديولوجية والاجتماعية. جدار لا يستند إليه عاقل أو مبصر. فما بالنا فيمن يراه شريكاً استراتيجياً ضامناً للمستقبل..!
كما أن أخطر ما يغفله – أو يتغافل عنه – «منظرو الضرورة».. هو الطبيعة النفسية والاجتماعية الوحشية لهذا الكيان، التي شرحها بدقة مفكرون من صلب هذا المجتمع. وهم من أكد أننا بصدد جماعة بشرية.. تعاني «اعوجاجاً نفسياً» عميقاً، وباتت «مكيفة» على كراهية الآخر- أي آخر- وعلى التطبيع مع الجريمة وسفك الدم.. كفعل يومي. مما انحدر بها إلى دركات من الوحشية واللاإنسانية.. غير مسبوقة، بما يجعل التواصل – حتى دون التعاون أو التحالف – مع مثل هكذا طغمة.. أمراً خطراً أكثر منه مؤثماً. فأي تقارب مع تلك العصابة، أصبح يوزر أطراف التقارب.. أوزار الجرائم والدماء أمام التاريخ، دون أي مكسب سياسي أو اقتصادي حقيقي.. مكافئ لتلك الخسارة.
ولنذكر جميعاً، أن الصهيونية – في أوج قوتها ومَدِّها – قد فشلت في أن تكون جزءاً طبيعياً من نسيج المنطقة، وعليه فإن محاولة «صهنة» الوعي الإقليمي الآن – بينما المشروع يلفظ أنفاسه الأخلاقية والسياسية – هي ليست مجرد خطأ استراتيجي، بل هي «خطيئة وجودية».
بالضرورة.. لا حَجر على توجه أو قرار سلطة في عالمنا العربي، ما دامت تعي تبعات ذاك القرار على شعوبها في آتٍ، وتعي أكثر مغبة أن يستبيح حياضها اللئام. والأهم، أن تقبل بما يورثه ذاك التوجه من كراهية الشعوب، ولعنات التاريخ، والعداء المباشر مع محيط.. هو منها، وهي منه.
فَكِّرُوا تَصِحُّوا.
نقلاً عن «المصري اليوم»