تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الشيعة والسنة: الجنازة حارة.. والميت بلا قرابة أو نسب (5)

M.Adam
عادل نعمان  

عادل نعمان

ليس لنا – يا سادة – الحق في مزاحمة الشيعة والسنة معركتهم الدائرة منذ الأوائل، وليس لنا ناقة ولا جمل في هذه العركة المنصوبة منذ قرون، وما لنا رحال لسلب الغنائم والأسلاب، إلا أن بيوتنا مفتوحة لتلقي العزاء، ونساءنا يندبن وينتحبن ويلطمن الخدود.. على ميت غريب عن الديار، وضحية لم تشاهده العيون ولم تلده بطون الحرائر. ونظن أننا في مصر قد برِئنا من هذا الداء في زمن السلطان الأيوبي؛ إلا أن ميراث الغضب يورث ولا يموت وهذه حكايته: يضع صلاح الدين الأيوبي رأسه على الوسادة لينام بعد صلاة الفجر بالمسجد الكبير، يمد يده كما تعود يتحسسها، يهب واقفاً مذعوراً، تحت الوسادة خنجر تتدلى منه رسالة (غداً على رقبتك).. عرف ساعتها أنهم قاتلوه، من هم؟ الشيعة الفاطمية!!

يقول المقريزي: «اجتمعت طائفة من أهل القاهرة.. على أن يتولى الحكم رجل من أولاد العاضد (آخر خليفة فاطمي بمصر)، وأن يقتلوا صلاح الدين، وأرسلوا رسولهم إلى الفرنجة، فوشى أحدهم بخبرهم هذا عند السلطان صلاح الدين الأيوبي.. فحاصرهم وشنقهم، وتتبع الفاطميين فقتل وأسر الكثير، وأصر أن يرحل كافة جنود (الشيعة) وحاشية القصر». وقد كان الخلاص منهم أمراً حتمياً قبل الانقضاض عليه. إلا أن عودة الصراع مع الشيعة في المحروسة.. كان لها جذور. 

مراحل الصراع بين السنة والشيعة على مر التاريخ لم تكن «مصر» طرفاً فيها (فهو صراع سياسي بين أبناء العمومة بنو عبد الدار وعبده مناف) حتى ظهور الدولة الفاطمية، واحتلالهم مصر، ونعود قليلاً إلى صراع آخر الأحفاد؛ الأول: «محمد النفس الزكية» ابن عبد الله الكامل جده الحسن بن علي بن أبي طالب، حاول الانفصال بالمدينة عن حكم الخليفة العباسي أبوجعفر المنصور، ودارت «موقعة الحرة» بينهما.. وانتهت بهزيمة آل البيت وقتل النفس الزكية، واستباح جنود أبو جعفر نساء المدينة ثلاثة أيام، قيل «إن ألف امرأة من المدينة حملن سفاحاً منهم». والثاني: الحسين بن علي جده الحسن بن علي بن أبي طالب، حاول الخروج على حكم العباسيين، فحاربوه وشيعته في موقعة «فخ»، وقتلوه كما قتل الأمويون جده الحسين الكبير في كربلاء. بعد المعركة هرب منهم الكثير إلى بلاد المغرب، وأسسوا دولة الأدارسة بقيادة إدريس بن إدريس بن علي بن عبدالله، وكانت دولة الأدارسة النواة الأولى للدولة الفاطمية.

أرسل المعز لدين الله الفاطمي قائد جيوشه جوهر الصقلي لاحتلال مصر، وحوَّلها الفاطميون من المذهب السني (الشافعي) إلى المذهب الشيعي (الإسماعيلي)، وأنشأ الفاطميون الأزهر الشريف.. لتمكين المذهب الشيعي، وكانت المرحلة الأولى للصراع السني-الشيعي في مصر. 

انتهت هذه المرحلة بالقضاء على الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبي، ودارت مصر إلى المذهب الشافعي (السني). لكن الصراع السني-الشيعي احتدم وزادت قوته.. بعد قيام الدولة الصفوية في إيران، وتحويلها من دولة سنية إلى دولة شيعية، وليس صدفة أن تقود فارس المذهب الشيعي، وهي مولد سلمان الفارسي؛ وهو من الصحابة الذين رفضوا تولي أبي بكر الخلافة، وأيدوا أحقية علي فيها. 

مصر لم تكن تستهويها المذاهب يوماً، تعيش على حب آل البيت.. دون هوية شيعية، ولم تسمع يوماً عن ابن تيمية أو ابن القيم أو ابن عبد الوهاب، يصومون (المصريون) ويصلون ويزكون كما كان أجدادهم يفعلون.. دون فقيه أو ولي، فما انحرفوا أو تطرفوا يوماً، أو حادوا عن جادة الصواب، فلم نسمع يوماً عن تكفير الآخر أو قتل المرتد أو تارك الصلاة، حتى جاءتنا محطتان – من أخطر محطات الفكر السني المتشدد – الأولى: فرار مشايخ الوهابية من الحجاز.. بعد مطاردة إبراهيم باشا ابن محمد علي، وتسللهم إلى مصر، وتدريسهم المذهب الحنبلي الوهابي في الأزهر. 

والمحطة الثانية: الأخطر على تاريخنا، هي نزوح المصريين للعمل في السعودية في سبعينيات القرن الماضي، وتصدير الفكر الوهابي إلى مصر.. بموافقة سعودية، ومساعدة المخابرات الأمريكية. وأصبحنا دولة مستوردة لبضاعة الحقد الوهابي على الشيعة، وعلى كل الأديان الأخرى، وأمسينا جزءاً من صراع مدفوع الأجر؛ السلفيون يقبضون من وهابية السعودية لمحاربة المد الشيعي، والشيعة يقبضون من إيران لتشيع الدولة، ووقفت الدولة المصرية من هذا الصراع «ودن من طين والأخرى من عجين».

 الغريب أن دولة المنبع لأهل السنة.. حريصة على تدفق طوائف الشيعة للحج، والسلفيون يرفضون زياراتهم لآل البيت في مصر!! وعجبي. وما زلنا ندفع ثمن صراع لا ناقة لنا فيه أو جمل.. 

والحل.. (الدولة المدنية هي الحل).

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة