محمد أبوالغار
كان عمري 17 عاماً، حين وطأت قدماي قصر العيني.. قادماً من كلية العلوم بعد النجاح في إعدادي طب. كانت الأقسام الأكاديمية تدرس في المباني التي أصبحت كلية الصيدلة الآن. في شارع قصر العيني كانت حياتنا العلمية في هذه المباني العتيقة. كان عددنا 220 طالباً، وبعد إنهاء اليوم الدراسي، نعبر كوبري قصر العيني.. لندخل مستشفى المنيل الجامعي – الذي كان يسمى وقتها قصر العيني الجديد – وكانت هناك ملاعب شاسعة لكرة القدم والسلة واليد، وتراك للجري وحمام سباحة وملعبا تنس وجامينيزيوم كبير. وكنا نقضي هناك ساعات طويلة.
وبعد السنوات الأكاديمية، انتقلنا في السنة الثالثة إلى أقسام: الباثولوجيا، والفارماكولوجيا، والبكتريولوجيا والطفيليات، ومنها إلى المستشفى؛ حيث قضينا سنوات الامتياز والنيابة، ثم عضو هيئة التدريس.. حتى أصبحت أستاذاً. تعلمت من أساتذتي وعلمت تلاميذي، وقضيت أجمل سنوات عمري طالباً في كلية رائعة، ثم عضو هيئة تدريس ناشط.. في الإشراف على النشاط الرياضي والثقافي في الكلية، وهو الذي كان مكثفاً ورائعاً. تعلمنا قراءة الأدب، وسماع الموسيقى وقراءة الشعر.. بجانب تعلم الطب. وكنت رائداً لأسرة طلابية نشيطة.
قصر العيني هو عقل وقلب الأمة الطبي؛ منه خرج أعضاء هيئة التدريس المؤسسين لطب عين شمس والإسكندرية والأزهر. هو الكلية التي قدمت أكبر العقول الطبية في مصر. وهي الكلية التي خرج منها أكبر أبحاث طبية في المنطقة. أنشئت طب قصر العيني عام 1827 وبعدها بـ 115 سنة.. تم إنشاء طب الإسكندرية عام 1942. أما في الخليج، فجامعة الملك سعود بالرياض عام 1967 والكويت عام 1973 والإمارات عام 1986. وسُمِّي على اسم قصر العيني.. الشارع الذي كان به المبنى القديم (الذي أزيل منذ 50 عاماً، وفيه الآن نقابة الأطباء والجمعية الطبية المصرية. افتُتح مستشفى المنيل الجامعي عام 1935 تحت اسم فؤاد الأول. وبُني قصر العيني الفرنساوي وافتُتح عام 1996، وقبله مبنى أمراض الباطنة، ثم العيادات الخارجية والطوارئ والحروق. وهناك ثلاثة مستشفيات في أبوالريش لعلاج الأطفال.
الحكاية أصلها رؤية والتزام، قرَّر محمد علي أنه يحتاج إلى أطباء في الجيش الذي يبنيه. فاجتمع مع كلوت بك، وأوكل له إرسال بعثة إلى فرنسا.. يواكبها إنشاء مدرسة لتعليم الطب. وبدأت المدرسة بعدد قليل من المدرسين الأوروبيين، وعدد محدود من الطلاب، وكانت هناك مشكلة تعلم التشريح – وهو جزء أساسي من التعليم الطبي – بسبب بعض المشايخ الذين حرموا تشريح الجسم البشري، ولكن خالد فهمي أشار إلى أن هناك تقبلاً من عامة الشعب.. لاستخدامه في الطب الشرعي عند حدوث جرائم.
ونُقلت مدرسة الطب عام 1837.. إلى قصر أحمد العيني بك على النيل، واستمر هذا المكان إلى الآن، باسم مستشفى قصر العيني وكلية طب قصر العيني. قصر العيني تطور وسابق الزمن، وبُنيت فيه مدرسة الطب الحديثة. وعندما دخلت التكنولوجيا في الطب.. سارع قصر العيني وأساتذته بالشراكة والتدريب، والآن توجد فيه جميع الأجهزة الحديثة، ويتدرب عليها شباب الأطباء. تغير نظام التعليم الطبي.. متمشياً مع النظم التعليمية الحديثة. كانت هناك مشاكل وثغرات، ولكن علماء الكلية تغلبوا عليها. لا يزال قصر العيني يعاني من مشاكل تضخم عدد الطلاب، وهي مشكلة مفروضة عليه.. بالرغم من الأعداد الكبيرة من كليات الطب التي افتُتحت. نحن نريد الجودة وارتفاع مستوى الطبيب والخريج، ويلزمنا أعداد أقل حتى يمكن تدريبها جيداً.
قصر العيني به كنوز؛ بعضها غير مرئي.. مثل أرشيف الكلية، الموجودة به كتب وهدايا وصلت المستشفى؛ مثل الطبعة الأولى من كتاب وصف مصر. أتمنى أن تقوم إدارة الكلية – خلال الشهور القادمة – بجرد الأرشيف وتصويره، وتنظيم معرض يستمر عدة شهور في العام القادم. قصر العيني به متحف.. أشرف على إنشائه الأستاذ الراحل محمود المناوي. ومن مقتنيات المتحف.. كتب طبية نادرة في علم التشريح، انتقلت من مستشفى أبوزعبل، ومجموعة من اللوحات الزيتية، ووثائق أصلية بخط اليد وتماثيل. وهناك رخامية أثرية.. منها لوحة باللغة التركية من أيام محمد علي باشا، عليها أمر الباشا بإنشاء مدرسة الطب. وهناك أيضاً متحف الدكتور نجيب محفوظ.. في قسم أمراض النساء، الذي تم تحديثه بتقنية شديدة الحداثة، وتم التصميم والعرض بحرفية وتبرعت أسرة د. نجيب محفوظ لتجديد المتحف.
أنا متأكد من أن المنظمين.. سوف يعدون فيلماً وثائقياً عن تاريخ قصر العيني. وقد اتصل بي وكيل الكلية وأحد الأساتذة، ليأخذوا بعض المعلومات التاريخية.. عن فترات عاصرتها في شبابي، وقدمت لهم ما طلبوا خلال هذا الأسبوع. وبالاستعانة بالصديقة د. سهير حواس، استطعت طبع 7 خرائط تاريخية (عمرها من 70 إلى 100 عام) لجميع مباني قصر العيني، وأقوم الآن بوضع الكلمات التاريخية، وعمل براويز تليق بقصر العيني. وهناك أفكار وأبحاث في الطريق لتساعد في الاحتفالية.
وبالرغم من ضعف تمويل البحث العلمي، إلا أن قصر العيني في المقدمة.. في جميع المنصات العالمية لتقييم الأبحاث. وحصل عدد من الأساتذة على جائزة مبارك.. التي أصبح اسمها جائزة النيل، وكذلك عدد أكبر على جائزة الدولة التقديرية. قصر العيني يستحق كل العناية من الحكومة، لأنه أقدم مبنى للعلوم الحديثة في مصر، وتطور باستمرار.. ويقدم خدمات جليلة لمصر ولجيرانها.
قصر العيني لعب دوراً مهماً أثناء كفاح المصريين لطرد الإنجليز والاستقلال، وشهد مظاهرات الطلبة. بدأت ثورة 1919 ثم 1935 ثم 1946 وحروب 1956 و1967 و1973، واستشهد منهم أطباء مسجلون في لوحات الشرف. وقد تحول قسم أمراض النساء أثناء حرب 1967 وحرب 1973 إلى مستشفى طوارئ.. لعلاج المدنيين المصابين بسبب الحرب. وفي حرب 1973 أيضا، انتدبت لأستمر بالعمل بالقسم.. للإشراف، بعد أن طلب من أطباء النساء أخذ إجازة مفتوحة.. لحين انتهاء الحرب، وانتقل أساتذة الجراحة والعظام للعمل في قسم النساء، وكان دوري الإشراف وتنظيم العمل، وقضيت في المستشفى 25 يوماً مستمرة داخل القسم، خرجت خلالها مرة واحدة يوم 28 أكتوبر، لأسير في جنازة طه حسين على كوبري الجامعة.. إلى داخل جامعة القاهرة.
أنا سعيد بأن العميد والوكلاء واللجنة المنوطة بالاحتفال، تعمل بجدية شديدة لإخراج احتفال يليق بقصر العيني.
(قوم يا مصري.. مصر دايمًا بتناديك).
نقلاً عن «المصري اليوم»