تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

قناة السويس

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

أعجب لمن يزج بقناة السويس.. في مجادلات تحتمل الخطأ والصواب، وتنطوي على تهديد لمستقبلها، أو على الأقل.. التعامل معها؛ وكأنها قطعة أرض فضاء.. زادت قيمتها، فأصبح من الممكن المقايضة عليها.. لحل مشكلة أو أخرى. ولست متخصصاً في الاقتصاد، وبالتالي.. ليس في مقدوري أن أحكم على الجدوى الاقتصادية للفكرة، ومع ذلك فقد قرأت الكثير لمتخصصين عن فسادها، على أن مشكلتي معها ليست جدواها الاقتصادية؛ وإنما النهج الذي ينطلق منه المبادرون بها، أو المدافعون عنها. 

فقناة السويس – عند عموم المصريين – رمز وطني شامخ، لا يمكن المساس، به أو تعريضه للخطر.. بحجة أنه السلاح السحري لأزمة المديونية في مصر، فتاريخ القناة – منذ بدأ التفكير في شقها – يكاد يكون تاريخ الوطن بأكمله. 

وقد أحسن مجلس الوزراء صنعاً.. بمسارعته لإصدار بيان فنَّد فيه الفكرة، حيث حاول البعض الإيحاء بأن لصاحب الفكرة دوراً رسمياً.. أو شبه رسمي، بما يجعل فكرته أشبه ببالون اختبار، يتم اتخاذ خطوة بعد إطلاقه ..على ضوء ردود الأفعال التي يُحْدِثُها. ولذلك جاء بيان المجلس برداً وسلاماً.. على صدر كل معتز بوطنه، وبرموزه التاريخية. وقد جاءت لغة البيان حاسمة، بعد أن فنَّد الأساس العلمي للفكرة، بتأكيد أن «قناة السويس ليست محلاً لأي مقترح.. من هذا النوع. ولا توجد أي توجهات لدى الحكومة.. لمقايضتها، أو رهنها، أو نقل ملكيتها.. مقابل مديونيات، مؤكداً أن القناة مرفق عام استراتيجي ذو طبيعة خاصة، وترتبط – بصورة مباشرة – بالأمن القومي والسيادة المصرية، فضلاً عن دورها المحوري في الاقتصاد الوطني والتجارة العالمية».

غير أن المنظور التاريخي، يُضيف لبيان المجلس أبعاداً أخرى، تجعل من القناة – منذ بدأ حفرها وحتى الآن.. لقرابة قرنين من الزمان – مرآة صادقة لتضحيات الشعب المصري، ونضاله في سبيل تحقيق أهدافه الوطنية، وبناء مستقبله؛ فعلى مدى عقد من الزمان – منذ بدأ الحفر في 1859 وحتى افتتاح القناة في 1869 – شارك نحو مليون مصري في هذه العملية، استُشهد منهم قرابة 120 ألفاً.. بسبب الأمراض والأوبئة، وصعوبة تأمين مياه الشرب النظيفة، والعمل الشاق لساعات طويلة.. تحت أشعة الشمس الحارقة، في ظروف شبه غياب للرعاية الطبية. وهكذا، لم يحفر المصريون القناة بأظفارهم فحسب، بل بدمائهم. ويحفل الموروث الشعبي المصري.. بما يعكس آلام البسطاء منهم، وحسرتهم على فقدان أحبتهم. «يا حافر القنال يا واخد الرجالة… سِبت البيوت خاوية والدموع سيالة». وفي نوفمبر 1875 – أي بعد 6 سنوات فقط من افتتاح القناة – واجه الخديو إسماعيل أزمة مالية خانقة؛ نتيجة نفقات التحديث الموسعة، وحفل الافتتاح الأسطوري للقناة، فاضطُر لبيع حصة مصر البالغة 44% من أسهم القناة.. لبريطانيا، لتصبح أكبر مساهم في الشركة. 

وازداد الطين بلة، بمواجهة الحكومة المصرية تعثراً إضافياً في 1880، أدى إلى بيع حصة مصر من الأرباح السنوية لقناة السويس (15%).. إلى البنك العقاري الفرنسي، وهكذا فقدت مصر كل أصولها وعوائدها المباشرة من القناة.. بعد 11 سنة من افتتاحها، وأصبحت شركة قناة السويس دولة داخل الدولة، وأصبح استرداد السيادة على القناة.. حلماً وطنياً، فقاد مصطفى كامل – ثم محمد فريد – حملة شعبية وبرلمانية، ضد مشروع مد امتياز شركة قناة السويس 40 عاماً إضافياً.. بحيث ينتهي في 2008، بدلاً من 1968، وأدت هذه الحملة لرفض البرلمان هذا المشروع في 1910. 

وفي أربعينيات القرن الماضي، طالبت حركة «مصر الفتاة» (الحزب الاشتراكي لاحقاً).. بضرورة تأميم الشركات والاحتكارات الأجنبية في مصر؛ وعلى رأسها شركة قناة السويس – باعتبارها رمزاً للاستعمار الاقتصادي – وفي أواخر أربعينيات القرن الماضي، شهد البرلمان المصري مناقشات واقتراحات.. طالبت بتمصير الشركة، أو إخضاعها للسيادة المصرية.. قبل انتهاء عقد الامتياز، وتصاعدت هذه المطالبات، عقب إلغاء الحكومة الوفدية لمعاهدة 1936، وبدء الكفاح المسلح ضد القوات البريطانية في منطقة القناة.

ثم قُيّض للحلم الوطني أن يتحقق.. على يد جمال عبدالناصر، بقراره التاريخي بتأميم شركة قناة السويس في 26 يوليو 1956، في إطار المعركة المجيدة لبناء السد العالي.. حلم مصر في التنمية المستقلة. ولم تقف المعجزة عند هذا الحد، وإنما امتدت.. لتشهد نجاحاً ساحقاً للمصريين في إدارة القناة، بعد مؤامرة انسحاب المرشدين الأجانب.. عدا اليونانيين. ولا أنسى أبداً وصف المرحوم عبدالحميد أبو بكر – ثالث الثلاثي الذهبي الذي قاد عملية إدارة القنا،ة مع محمود يونس وعزت عادل – حالة الجماهير، وهتافاتهم على طول الشاطئ الغربي للقناة، بأنه.. خُيِّل إليه أنهم يريدون أن ينزلوا لمياه القناة، ليدفعوا السفن العابرة بأيديهم، كى تنجح مصر في مواجهة التحدي. 

ثم كان العدوان الثلاثي على مصر.. عقاباً لها على قرار التأميم، ليستبسل الجيش والشعب في الدفاع عن الاستقلال والكرامة، وتخرج مصر من العدوان.. بانتصار سياسي تاريخي؛ جعلها رمزاً عالمياً لمعارك التحرر الوطني. وعنما وقعت هزيمة 1967، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى الضفة الشرقية للقناة.. تجسد حلم الثأر للهزيمة.. في معارك عبور القناة، التي كان يقوم بها أبطال القوات المسلحة. ودارت ملحمة بناء النسق الأخير.. لجدار الدفاع الجوي، الذي يمكن القوات المصرية من عبور القناة، واسترداد الأرض.. وهي الملحمة التي جمعت بين الجيش والشعب، فاستُشْهِد نحو 6 آلاف من العمال والمهندسين وحدهم، بالإضافة للمئات من الجنود والضباط. 

وفي 6 أكتوبر، كانت مياه القناة شاهدة على أعظم أداء.. لأبناء القوات المسلحة، الذين ظُلِموا ظلماً بيّناً في 1967، فكيف – بعد كل هذا التاريخ المجيد، عبر نحو قرنين من الزمن، كانت القناة فيهما شاهدة على عظمة تضحيات الشعب المصري وقدراته – يأتي من يتعامل معها.. كمجرد مصدر لدخلٍ، يمكن أن يساعد في حل مشكلة الديون؟ وليس كرمز خالد.. لنضال شعب مصر وتضحياته؟ 

… أحسب أن ما حدث من استنكار عام للفكرة، يؤكد أن بوصلة الشعب المصري بخير. 

حفظ الله مصر.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة