Times of Egypt

حول مفاوضات إسلام آباد

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

أظن أن المفاوضات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران.. بوساطة باكستانية، قبل بضعة أيام، تمثل – في بعض تفاصيلها – نموذجاً خاصاً للمفاوضات.. التي تنطلق عقب الحروب؛ فمن الناحية المبدئية، دخل الطرفان في المفاوضات غير المباشرة.. وكل منهما يروج لسرديته الخاصة عن الانتصار، فالمسؤولون في الإدارة الأمريكية – وعلى رأسهم «دونالد ترامب» – تحدثوا عن أنهم.. محوا إيران من على وجه الأرض، وجعلوا البحرية الإيرانية تقبع في قاع البحر، وأن النظام الإيراني تغير بالكامل، وأصبح قادته الجدد أكثر مرونة وذكاءً. أما المسؤولون الإيرانيون.. فلقد تحدثوا عن إلحاق خسائر عسكرية مباشرة بالولايات المتحدة وإسرائيل، وعن التحكم في مضيق هرمز.

ومع أن سرديات الانتصار من الأطراف المتحاربة.. ظاهرة شائعة، إلا أن الفجوة القائمة بين السرديتين الأمريكية والإيرانية متسعة.. بدرجة غير مسبوقة؛ وهذا يظهر بالذات مع السردية الأمريكية، التي تروِّج للمحو والإغراق والتدمير الشامل.. إلخ. وهو ما يطرح سؤالاً حول سبب الحاجة للتفاوض.. طالما كان الانتصار الأمريكي ساحقاً. وسؤالاً آخر.. حول ما إذا كانت السردية الأمريكية قد وردت في إطار الحرب النفسية ضد إيران، أم كانت تعبر عن اقتناع حقيقي لدى صانع القرار الأمريكي. 

وسبب طرح السؤال الثاني، هو انطلاق المفاوض الأمريكي من تقديم صيغة لإنهاء الحرب؛ إما تُقبل كلها، أو تُرفض كلها. ومثل هذه الصيغة لا تكون إلا في حالة استسلام الطرف الآخر. كذلك احتاج المفاوضون الإيرانيون إلى تطمينات.. بشأن عدم المساس بحياتهم، بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت العديد من قياداتهم. وجميعنا يذكر تفاخر الرئيس الأمريكي بعمليات الاغتيال.. التي لم تترك أحداً يمكن التفاوض معه. يضاف إلى ذلك، أن باكستان – التي قامت بالوساطة – ليست من اللاعبين الرئيسيين في القضايا الكبرى للشرق الأوسط. كذلك ترتبط باكستان باتفاقية للدفاع الاستراتيجي المشترك.. مع المملكة العربية السعودية؛ تجعل الاعتداء على أي من البلدين بمثابة اعتداء على البلد الآخر، وهو ما يتعارض مع صفة الحياد المطلوبة في الوسيط.. خاصةً بعد تعرض السعودية لهجمات الصواريخ الإيرانية.

وفي هذا الإطار، أرسلت باكستان مقاتلات للسعودية.. بعد تعثر المفاوضات، وهو ما اعتبره البعض.. بمثابة تفعيل متأخر لاتفاقية الدفاع المشترك. لكن ربما كان العنصر الذي رجح كفة الوساطة الباكستانية.. هو كون باكستان تحتفظ بعلاقة جيدة مع إيران، بالإضافة لعلاقتها الوثيقة مع السعودية.. مما قد يوفر مقبولية لدورها من الطرفين.

وأخيراً، فإن الذي قام بتيسير تبادل وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران.. كان هو قائد الجيش الباكستاني؛ وهو ما يعود إلى الدور الكبير الذي تلعبه المؤسسة العسكرية في النظام الباكستاني، بينما كان كل المتعاقبين على دور الوسيط – في جولات التفاوض المختلفة – من رجال السياسة والدبلوماسية. يلفت النظر أيضاً.. في تقييم مفاوضات إسلام آباد، أنه طُرحت عليها قضايا جديدة.. لم تكن موجودة من قبل، مثل قضية حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وأن هذه المفاوضات شهدت طرح قضية النفوذ الإقليمي الإيراني.. من جانب إيران نفسها؛ عبر اشتراطها وقف إطلاق النار على مختلف الجبهات.. وبالذات الجبهة اللبنانية. وكانت إيران من قبل ترفض – من حيث المبدأ – مناقشة دورها الإقليمي. وبالتالي يمكن القول.. إنه بعد نحو 40 يوماً من الحرب الأمريكية/الإسرائيلية-الإيرانية، أهدت إدارة ترامب لإيران ورقة ضغط.. لم تكن بحوزتها من قبل؛ هي ورقة المضيق، وعززت تأثير الجماعات الحليفة لإيران، مقابل المزيد من إضعاف الدولتين اللبنانية والعراقية.

وعلى الجانب الإيراني، فإن مفاوضات إسلام آباد.. لا تشبه غيرها من مفاوضات إيران السابقة، ونحن هنا نتحدث عن دولة مارست عملية التفاوض على برنامجها النووي منذ عام 2003.. في سياقات مختلفة. 

وأول مظاهر الاختلاف، هو أن الذي ترأس الوفد الإيراني – وللمرة الأولى – هو رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) «محمد باقر قاليباف»، بينما درج الأمر – في المفاوضات السابقة – على أن يترأس الوفود الإيرانية.. إما الأمين العام لمجلس الأمن القومي، أو وزير الخارجية. وعندما نعرف الخلفية العسكرية الطويلة لقاليباف، ندرك أن هذا الاختلاف هو إحدى ثمار الحرب الأخيرة، إذ أصبح الحرس الثوري ممسكاً بمفاصل الدولة، وهو ما يتعارض مع كلام الرئيس الأمريكي.. عن أن القادة الإيرانيين الجدد أكثر مرونة ممن تم اغتيالهم. 

وهنا نفتح قوسين، لنذكر بمقال قاليباف – الذي كتبه قبل بضعة أيام – رداً على مقال نشره «محمد جواد ظريف».. وزير الخارجية الإيراني الأسبق، (تحدث فيه عن التنازلات التي يمكن أن تقدمها إيران لإنجاح المفاوضات، وانتقد دعاة مواصلة الحرب). ففور نشر مقال ظريف.. بادر قاليباف بالتعليق بمقال.. لم يتضمن أي إشارة لمثل هذه التنازلات، بل ركز على الوجود العسكري الأمريكي في الخليج.. كسبب لعدم الاستقرار السياسي في المنطقة. 

من جهة أخرى، تميز الوفد الإيراني بضخامة ملحوظة؛ إذ ضم نحو 70 فرداً.. يمثلون – تقريباً – كل مؤسسات الدولة، وهو ما قد يعني الاستعداد لمناقشة كل التفاصيل، رغم أن أحداً لم يكن يتوقع أن تُفضي جولة واحدة لاتفاق تفصيلي.. حول قضايا حولها اختلاف شديد. وذهب رأي آخر إلى أن ضخامة الوفد الإيراني، ترجع لتمثيله مختلف مراكز صنع القرار؛ بما يغنيه عن العودة لمشاورة طهران. 

كذلك كان الوفد المرافق لـ«جي دي فانس» – نائب الرئيس الأمريكي – بالغ الضخامة؛ إذ ضم نحو 300 فرد.. ما بين مفاوضين، وممثلين لأجهزة مختلفة، وإعلام، ورجال أمن. 

وفي الأخير، توجد ثمة مؤشرات إيجابية على احتمال انعقاد جولة جديدة للمفاوضات غير المباشرة.. بين الولايات المتحدة وإيران، من خلال الحراك الدبلوماسي الكثيف في المنطقة، وعبر إشادة ترامب بدور قائد الجيش الباكستاني. 

ولئن كان هذا يعطي أملاً في إمكانية التوصل لتسوية سياسية، فليس هناك من يمكنه الجزم بنيات الرئيس الأمريكي.

نقلاً عن «الأهرام«

شارك هذه المقالة