سمير مرقص
(1) «تحليل سوسيوسياسي للإبداع الأدبي المصري حول الشخصية القبطية»
عرف التحليل الأدبي، إلى جانب القراءة النقدية المتخصصة.. وفق القواعد النقدية الأدبية، قراءات تحليلية فلسفية واجتماعية وسياسية للنصوص الأدبية. تجاوزت هذه التحليلات التوقف عند جماليات النص الأدبي، لإدراك السياق المجتمعي الذي يعبر عنه النص الأدبي. إذ ترى تلك التحليلات أن النص الأدبي ما هو إلا «فضاء.. تتقاطع فيه البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية».
هكذا تناول الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة القدامى والمعاصرون.. النصوص الأدبية مثل؛ أولاً من القدامى.. والتر بنيامين، وجورج لوكاش، وثيودور أدورنو، وريموند ويليامز، وبول ريكور، ولوسيان جولدمان، وحنة أرندت، وفردريك جيمس، وبورديو،…، إلخ. وثانياً من المعاصرين.. ريتا فيلسكي، وتوريل موي، وفرانكو موريتي، ومارثا نوسباوم،… إلخ. فقد انطلق التناول الفلسفي والاجتماعي والسياسي للأدب.. من قاعدة مفادها أن النص الأدبي، هو نتاج سياق اجتماعي، وواقع سياسي.. في لحظة زمنية معينة، محددة أو ممتدة.
بلغة أخرى، النص الأدبي؛ قصة كان أو شعراً أو رواية أو سيرة.. لا يولد في فراغ، منبت الصلة عن البيئة الاجتماعية، ولا المرحلة الزمنية.. المواكبتين لميلاد هذا النص. وأنه يمكن – من خلال القراءة الأكثر شمولاً – فهم التناقضات التاريخية والاجتماعية للعصر الذي يناقشه العمل الأدبي، وكيف ترى شخصيات هذا العمل العالم (أو ما يُعرف بـ«رؤية العالم»)، وطبيعة الصراعات والتوترات التي ينخرط فيها أبطال العمل، والذوات المختلفة. ومن ثم ما يقابلها من آخرين، وعلاقات القوة، وتحولات الهوية، والوعي والنضال السياسيين،…، إلخ. في هذا الإطار، تقدم لنا الأخت والصديقة أستاذة العلوم السياسية الدكتورة نيفين مسعد.. عملاً بديعاً، بعنوان: «الشخصية القبطية في الأدب المصري» (صدر عن دار العين للنشر في مطلع 2026).
(2) «الشخصية القبطية في المجالين العام والخاص»
تقدم لنا «نيفين مسعد» نصاً يمثل تقاطعاً مبدعاً.. بين النقد الأدبي والتحليل الاجتماعي السياسي؛ يكشف أعماق الشخصية القبطية؛ في ضوء تفاعلاتها الحياتية في المجالين.. العام الوطني، والخاص الفرعي.. بعيداً عن الصور النمطية سابقة التجهيز.. حول الشخصية القبطية. تلك الصور النمطية؛ التي تؤطرهم في هوية ساكنة أو أحادية، أو تصنفهم في تصنيفات.. تعزلهم عن السياق المجتمعي. تناولت نيفين مسعد حركية الأقباط: المصريون المسيحيون، في دوائر حركتهم ــ الطبيعية ــ المختلفة. وقد كانت واعية تماماً في اختيارها لمصطلحي: الشخصية القبطية، والأدب المصري. فالشخصية القبطية تعكس رؤية.. لا تحصر القبطي في هويته الدينية ـ وبطبيعة الحال المذهبية ـ فقط، وإنما تعطيه سمتاً هوياتياً مركباً؛ يتضمن المسيحية والمصرية في آن واحد. لذا كتبت المؤلفة في مقدمة الكتاب: «إن القبطي هو المصري بشكل عام، وليس المسيحي بشكل خاص،…».
أما مصطلح الأدب المصري، فذلك لأن ما تتناوله من نصوص.. قد كُتِب بلغة عربية. وإن استخدام الأدب القبطي.. يعني أن تكون النصوص مكتوبة باللغة القبطية. وإذا كان لي أن أضيف.. أن تتناول النصوص موضوعات ذات طبيعة دينية محضة. بيد أن النصوص التي تناولتها نيفين مسعد، فقد كُتِبت بأيدي مصرية مبدعة.. من أجيال متعاقبة.. مسلمة ومسيحية على السواء؛ ما يعني أن الموضوعات – وإن تناولت الشخصية القبطية – إلا أنها كانت متحررة من أسر دائرة الانتماء الخاصة/الفرعية، ومتفاعلة مع الدائرة الأرحب. وفي هذا المقام، أذكر كيف كانت الأديبة العالمية الأمريكية الحائزة على نوبل للأدب عام 1993 «توني موريسون» (1931 ــ 2019).. تحذر من تصنيف الأدب على أساس إثني، وتناوله من منطلق تمييزي. فالواجب أن نكتشف التشابكات المختلفة للفئة النوعية؛ رؤاها، ومشاعرها، وتطلعاتها، ونضالاتها، ونجاحاتها، وإخفاقاتها، ومواقفها،…، إلخ. أثناء تنقلاتها بين دوائر الانتماء المختلفة.
(3) «الشخصية القبطية قبل وبعد 2011»
اعتمدت «نيفين مسعد».. في مقاربتها التحليلية «السوسيوسياسية» للشخصية القبطية، على قراءة الكثير من الأعمال الأدبية كتبها مبدعون مصريون: مسلمون ومسيحيون. وقسمت تحليلها إلى مرحلتين زمنيتين؛ الأولى: الإبداعات الأدبية قبل 2011. والثانية: بعد 2011. وفي تفسيرها.. لماذا اختارت الدكتورة «نيفين مسعد» عام 2011 كعام فاصل بين مرحلتين من الإبداع الأدبي المصري، يتناول الشخصية القبطية (نقتطف بإيجاز)، تجيب: «…تمدد مساحة روح التمرد» بعد حراك يناير، وتمرد يونيو؛ ما ترتب عليه تزايد أعداد النصوص الأدبية.. خاصة الروائية؛ التي اعتمدت عليها المؤلفة بالأساس.
في هذا الإطار استعرضت الدكتورة «نيفين مسعد» قبل 2011، أعمال نجيب محفوظ «المرايا»، وصنع الله إبراهيم «ذات»، ويحيى الطاهر عبد الله «قصة أغنية العاشق إيليا»، وإدوارد الخراط (أكثر من عمل من أبرزها «رامة والتنين»، و«يا بنات الإسكندرية»،…)، ولويس عوض «العنقاء»، وحمدي البطران «يوميات ضابط في الأرياف»، ويوسف إدريس «حادثة شرف»، وبهاء طاهر «خالتي صفية والدير»، وإبراهيم عبد المجيد «لا أحد ينام في الإسكندرية»، وجورج البهجوري «أيقونة فلتس»، وسلوى بكر «البشموري»، وفوزية أسعد «مصرية»، ونبيل نعوم «العودة إلى المعبد»،…
واستعرضت بعد 2011؛ أعمال نعيم صبري «صافيني مرة والمُهرج»، وسعيد نوح «أحوال مظلوم»، وروبير الفارس «لعبة الضلال»، وحسين عبد العليم «ألعاب قد تنتهي إلى ما لا تحمد عقباها»، ومحمد المنسي قنديل «طبيب أرياف»، ومينا عادل «كنت طفلاً قبطياً في المنيا»، ووليد علاء الدين «ابن القبطية»، وأشرف العشماوي «بيت القبطية»، ومينا فايق «خلف أسوار الكنيسة»، ومينا هاني «بيت الشيخ حنا»، ومارك أسعد «الرقص على أرغن الرب»، وعادل أسعد الميري «كل أحذيتي ضيقة»، وعادل عصمت «حكايات يوسف تادرس»، وكارولين كامل «فيكتوريا»، وشادي لويس «طرق الرب»، ومايكل بشرى «حكاية ميم»، ومايكل برنس «أسيوطستان سيتي»، وحسام صابر مرسي «سرايا مصر الجديدة»، وعصام راسم «عقاقير محرمة»، وهبة أحمد حسب «مخطوطة ابن الجِروة»، وصبحي موسى «صلاة خاصة»، وهدرا جرجس «صياد الملائكة»، ومينا ناجي «مدينة الشمس»، وماهر فرغلي «الشيخ عبادة»، وأسامة عبد الرؤوف «عهد دميانة»، وأمنية صلاح «كف المسيح»…
وبعد، نحن أمام عمل ثرى وممتع.. يفتح آفاقاً للتفكير والفهم، والكشف أن ما قد يبدو مرتبطاً بالشخصية القبطية.. ما هو إلا مرآة تعكس تحولات المجتمع الكبير. تحية للعزيزة الدكتورة نيفين مسعد، وإلى مزيد من الإبداع.
نقلاً عن «المصري اليوم»