محمد أبوالغار
هذا كتاب مهم للدكتور خالد فهمي، بعنوان: «وليّ النعم»، ترجمه محمد كلفت، ونشرته دار الشروق. هناك شبه اتفاق عام.. على أن محمد علي هو مؤسس مصر الحديثة، وحتى ثورة يوليو – التي أهملت ثورة 1919 والفترة الليبرالية – اعتبرت أن مؤسس مصر الحديثة.. هو محمد علي. وأكد ذلك كتاب الرافعي «عصر محمد علي»، وكتاب هنري دودويل بالإنجليزية، الذي اكتسب مكانة بسبب حجم المراجع والوثائق. وأيضاً كتاب شفيق غربال «أصول المسألة المصرية وصعود محمد علي». وكان الملك فؤاد قد حفظ وثائق محمد علي، وأنشأ دار الوثائق في قصر عابدين. أما الجبرتي – الذي شهد الـ15 عاماً الأولى من حكم محمد علي – فكتب عن حجم القسوة والمشقة.. التي قاساها المصريون تحت حكم محمد علي؛ وأن طبعه كان الحسد والشره والطمع، والتطلع إلى ما في أيدي الناس وأرزاقهم.
وصل محمد علي إلى مصر- وهو لا يعرف القراءة والكتابة – مع جيش السلطان العثماني.. لإجلاء نابليون وجنوده من مصر، وعاد قائد الجيش إلى إسطنبول، وترك محمد.. الذي وصل إلى مصر عام 1801.. بعد أن غادر الجيش الفرنسي، وكان عمره حينئذ.. 31عاماً، على رأس قوة صغيرة من جنود أرناؤوط. أصبح محمد علي القوة الوحيدة في القاهرة، وبدأ في حرب المماليك.. مستخدماً الذكاء والحنكة والشجاعة. وتحالف مع المشايخ. وأصبح والياً رسمياً على مصر.. اعتمادا على ثلاث قوى؛ جنوده الأرناؤوط، والشيوخ والتجار، وعامة الشعب.
وبدأ محمد علي في القضاء على القوى الثلاث؛ فأرسل جنود الأرناؤوط لمحاربة المماليك في الصعيد فأضعف القوتين، وقام بتحجيم المشايخ.. وقلص مميزاتهم الاقتصادية، ونزع أطيانهم، وأمر نقيب الأشراف عمر مكرم – الذي ساعده في تولي السلطة – بالإقامة في دمياط، وبذلك تخلص من الزعماء الشعبيين. ونجح – بتنفيذ مذبحة القلعة – في قتل معظم قادة المماليك.. بعد دعوتهم للطعام ومناقشة المستقبل. وأرسل للسلطان في الأستانة، يشرح الموضوع، ويخبره بولائه التام. واستدعى ابنيه إبراهيم وطوسون من قولة.. ثم كل عائلته، ثم دعا الأقارب للإقامة في مصر، ومنحهم وظائف مهمة. ثم عين أجانب مخلصين له.. ليكونوا في ظهره، وقام باحتكار جميع المحاصيل، واستولى على كل أراضي مصر وقصم ظهر الفلاح. واستخدم الوحشية في شنق كل مَن يخرج على نظامه من المصريين. وتنفيذاً لطلب السلطان، أرسل ابنه طوسون.. على رأس حملة لطرد الوهابيين، الذين استولوا على المدينة ومكة، فنجح في طردهم.
ثم سافر محمد علي لمدة عامين.. لإنهاء المهمة في الجزيرة العربية. وعاد طوسون إلى مصر، وأرسل ابنه إبراهيم، الذي هدم الدرعية في يونيو 1819، وأعادها للدولة العثمانية.
أحكم القبضة الأمنية على المصريين بدون رحمة، ونشر الجواسيس، وقطع الرقاب. وقام بحفر ترعة المحمودية بين الإسكندرية والنيل بالسخرة.. من 300 ألف عامل، مات ثلثهم. قابل محمد علي عدداً كبيراً من الزوار الأوروبيين.. الذين كتبوا عن المقابلة، ولكن لم يقابل أحداً من أعيان أو شيوخ المصريين. قام بزراعة القطن طويل التيلة، الذي رفع إيرادات الباشا، فبدأ تجنيد فلاحي الصعيد بالسخرة، وقتل الهاربين، وذلك بعد فشله في تجنيد الأرناؤوط أو السودانيين. ولكن الضباط كانوا أتراكاً. ووصل عدد الجيش إلى 130 ألف مقاتل، وأدت المصاريف الباهظة للجيش.. إلى رفع الضرائب، وزيادة الصعوبة في حياة المصريين.
حدث عصيان في الدلتا، فأطلق المدافع على القرى، وأباد الآلاف، وأعدم عشرات الضباط.. حين شك في ولائهم. وقد استعانت الدولة العثمانية بالجيش المصري.. للسيطرة على ثورة كريت في جنوب اليونان، الذي كان تحت سيطرة الدولة العثمانية، وذلك بأسطول كبير بقيادة إبراهيم باشا، وأدى ذلك إلى غضب الدول الأوروبية الكبرى.. التي دمرت الأسطول العثماني-المصري في 20 أكتوبر 1827.
… هذه الحروب كانت لصالح الدولة العثمانية، وليست لصالح مصر. بدأ الباشا في بناء أسطول جديد في ترسانة الإسكندرية، واستعان بمهندس فرنسي، وأنشأ مصنعاً لإنتاج البنادق، وآخر للطرابيش، وثالثاً لملابس الجنود والضباط الموحدة. وفي ذلك العام، أدرك محمد علي أن وفيات الجنود بالأوبئة والجروح.. أكبر من عدد وفيات الإصابات المباشرة، فقرر إنشاء مدرسة الطب، وأوكل إلى كلوت بك تأسيسها، وبدأت في أبوزعبل عام 1827. وهي من المؤسسات القليلة.. التي استمرت تخدم الشعب المصري كله، وليس الجيش فقط، وقرر محمد علي إرسال جيش استولى على فلسطين ولبنان وسوريا، وعبر حلب، ودخل الأناضول، فأصبح مهدداً للدولة العثمانية.
خلال ذلك، زاد الضغط والعنف على المصريين، وعُلقت رؤوس كثيرة على باب زويلة، لأنها تكلمت أو أبدت احتجاجاً، وبدأت الثورة في جبل لبنان وسوريا وفلسطين، وانتهى الأمر باتفاقية انسحب فيها الجيش المصري إلى حدوده، وحدثت مفاوضات مكثفة مع الباب العالي والقوى الأوروبية، أدت إلى تحجيم عدد الجيش المصري، ووافق محمد علي على كل شيء، وكان له مطلب واحد.. هو أن تستمر أسرته في حكم مصر بعد وفاته، وقد حصل على ذلك.. بعد مفاوضات مكثفة، ومساعدات من إنجلترا، وفعلاً أصبح عرش مصر لأولاده الذكور.
وفي السنوات الأخيرة من عمره، أرسل بعثة تعليمية كبيرة إلى فرنسا من سبعين شاباً، وكان من بينها سعيد باشا وإسماعيل باشا.. وكلاهما حكم مصر، وأجرى – في العام التالي – أول تعداد لمصر، ووضع حجر الأساس لإنشاء القناطر الخيرية. واهتم بحفر الترع وتنظيفها. ومرض محمد علي.. وكذلك إبراهيم، وتوفيا، وتولى عباس باشا حكم مصر. محمد علي قضى على المماليك، ولكنه استبد بالمصريين استبداداً رهيباً. وقلص جميع القوى.. من المشايخ والتجار والأعيان، فلم تكن لهم أي صفة. وحكم مصر بأقاربه وأتباعه غير المصريين.
أنشأ جيشاً لأول مرة – منذ قدماء المصريين – من الفلاحين، ولكن الجيش كان يعمل بقيادات أجنبية، ويحارب في اليونان والشام والجزيرة العربية.. بأوامر من السلطان العثماني، وليس لمصلحة مصر. أقام عدداً من المصانع.. كلها كانت تعمل لصالح الجيش، وحين تقلص عدد الجيش.. أُغلقت المصانع، وإن استمرت الخدمة الطبية للشعب.. عن طريق مدرسة الطب في قصر العيني، واستفادت مصر من مشروعات الري والزراعة. الهالة الضخمة عن محمد علي، يجب أن تأخذ حجمها الحقيقي، وأن نوضح كم أفاد مصر، وكم أضر بها وبأهلها. كتاب به معلومات جديدة وموثقة، ويستحق الاهتمام.
قوم يا مصري.. مصر دايماً بتناديك.
نقلاً عن «المصري اليوم»