مودي حكيم
في أيام زمان، كانت أمنيات الأب والأم.. تتمحور في أن يلتحق الابن بكليات القمة، الطب، الهندسة، والصيدلة؛ فهي الطريق للارتقاء الاجتماعي، والهيبة المجتمعية، والاستقرار الوظيفي المضمون. اليوم يشهد مجال التعليم والتأهيل المهني.. تطوراً سريعاً. وبينما تفكر الأسرة في التخصصات الجامعية – التي ينبغي لأبنائها دراستها خلال العقد القادم – أشعر بأن هذه الفترة مليئة بالإثارة والغموض.. في آنٍ واحد. لطالما كانت الجامعة مؤسسة شبه مقدسة.. طريقاً مضموناً للنجاح؛ خاصةً لمن يختارون تخصصات معينة.
حتى الآن، دراسة الهندسة أو علوم الحاسوب.. بمثابة امتلاك تذكرة ذهبية. ارتبطت هذه التخصصات بالاستقرار، والرواتب العالية، والريادة في مجال الابتكار. كان تعلم البرمجة أو تصميم الأنظمة.. وسيلةً مضمونةً للبقاء في سوق العمل لعقود. لكن، ونحن نهرول الآن في عام 2026، يصعب تجاهل الشعور.. بأن أسس تلك المسارات التقليدية تتغير. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، بل أصبح الأداة المحورية، والركيزة الأساسية للعديد من الصناعات؛ لا يقتصر وعد الذكاء الاصطناعي على تعزيز إنتاجيتنا فحسب، بل يتعداه إلى أتمتة مجالات بأكملها. وهذا يشمل الهندسة، وعلوم الحاسوب، والعديد من التخصصات التقنية الأخرى. يستطيع الذكاء الاصطناعي.. كتابة برمجياته الخاصة، وتصميم أنظمته، وحل المشكلات المعقدة.. أسرع – حتى – من ألمع العقول البشرية.
إذن، يطرح السؤال نفسه: إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على القيام بالأعمال.. التي كنا نستعد لها لعقود، فماذا يتبقى للبشر؟
لقد فكرت ملياً فيما سيحتاج أطفالنا إلى تعلمه، وما هي المهارات والعقليات.. التي ستجعلهم قادرين على التكيف، وذوي قيمة.. في عالم تتفوق فيه الآلات علينا.. في العديد من المجالات. دعونا نفكّر معاً!
تتميز الآلات بقدرتها الفائقة على التعرف على الأنماط، ومعالجة البيانات، وتحسين الأداء، لكنها لا تُبدع بطبيعتها.. بنفس طريقة البشر. لذا، يبدو من الضروري تشجيع الأطفال على دراسة المجالات، التي يكون فيها الخيال والمنظور الفريد أساسيين. قد يشمل ذلك الفنون، أو التصميم، أو حتى ريادة الأعمال الإبداعية. ولا يقتصر الأمر على «الإبداع» فحسب، بل على تطبيق الإبداع.. لحل المشكلات، وسرد القصص، والابتكار بطرق تلامس التجارب الإنسانية بعمق.
مع تولي الذكاء الاصطناعي العديد من المهام التقنية، ستزداد أهمية التواصل الإنساني. مهارات.. كالتعاطف والتواصل، والقيادة وحل النزاعات.. هي أمور لا تستطيع الآلات محاكاتها بشكلٍ فعّال. وقد تصبح مجالاتٌ.. كعلم النفس والخدمة الاجتماعية والإرشاد، بل وحتى الإدارة.. بالغة الأهمية. سيحتاج أبناؤنا إلى فهم الناس، واحتياجاتهم ودوافعهم ومشاعرهم، واستخدام هذا الفهم.. لبناء الثقة، والعلاقات.. في أيّ مجالٍ يختارونه.
يُثير صعود الذكاء الاصطناعي تساؤلاتٍ عميقة.. حول كيفية استخدامه، وأين تكمن حدوده، ومن يملك حقّ اتخاذ القرار. هذه ليست تساؤلاتٍ تقنية بحتة، بل هي تساؤلاتٌ أخلاقية. إنّ تعليم أبنائنا التفكير النقدي، والتعامل مع التعقيدات الأخلاقية.. يُشبه إعدادهم لأدوارٍ قيادية.. في عالمٍ يتطلّب استخدام القوة التكنولوجية بمسؤولية. قد لا تبدو الفلسفة والأخلاق «عملية» بالمعنى التقليدي، لكنّها ستكون – على الأرجح – لا غنى عنها، بينما تخوض البشرية غمار هذه الفيضانات المجهولة.
مع تسارع وتيرة التغيير باستمرار، قد ولّى زمن الاكتفاء بتعلم مهنة أو مهارة واحدة.. طوال العمر. نريد لأبنائنا.. أن يُنمُّوا حباً للتعلم.. بتجاوز التعليم الرسمي؛ سواء درسوا علم الأحياء، أو التسويق، أو الإعلام. فالقدرة على التكيف المستمر، واكتساب مهارات جديدة، والحفاظ على فضولهم.. ستكون أساسية.
ستظل للمهن.. التي تركز على التجربة الإنسانية وتتمحور حولها؛ مثل الرعاية الصحية، والتعليم، وتنمية المجتمع.. مكانتها. قد تتمكن الآلات من تشخيص الأمراض، أو تقديم الدروس.. لكن اللمسة الإنسانية في الرعاية والتعليم، لا يمكن الاستغناء عنها. إذا كان أبناؤك شغوفين بإحداث فرق في حياة الناس، فقد تكون هذه المسارات مجزية.. على الصعيدين الشخصي والمهني، لأن الذكاء الاصطناعي والروبوتات – مهما بلغت من التطور – ستفتقر دائماً إلى الصفات الإنسانية الفريدة.. الضرورية في مهنتها.
يواجه كوكبنا تحديات هائلة من تغير المناخ، واستنزاف الموارد، وعدم المساواة، وغيرها. هذه مشاكل لا يستطيع الذكاء الاصطناعي وحده.. حلها. سيكون الأشخاص المدربون على التفكير في الاستدامة، والطاقة المتجددة، والتخطيط الحضري، والتعاون العالمي.. في طليعة من يتصدون لهذه القضايا. نريد لأبناء المحروسة.. أن يفهموا أن تعليمهم يمكن أن يكون مساهمة.. في شيء أكبر من ذواتهم.
مع أتمتة الذكاء الاصطناعي.. للكثير من «كيفية» التنفيذ، تتاح فرصة هائلة لمن يستطيعون تحديد «ماذا». ما الذي يجب ابتكاره؟ ما الذي يحتاجه العالم الآن؟ سواء كان الأمر يتعلق بإطلاق شركات ناشئة، أو تطوير منتجات مبتكرة، أو بناء مجتمعات مزدهرة، فإن القدرة على تحديد الفرص واستغلالها، ستظل دائماً ذات قيمة.. لا تقدر بثمن. في المستقبل، سنشهد ظهور شركات ناشئة فردية.. بملايين – بل وحتى مليارات – الدولارات؛ حيث يستفيد رائد أعمال واحد، من وكلاء الذكاء الاصطناعي.. لإدارة كل شيء؛ بدءاً من تصميم المنتج وبنائه، وصولاً إلى التسويق، والشؤون القانونية، والمحاسبة، والمبيعات، والعمليات.. كما حدث مع إيلون ماسك؛ أغنى رجل أعمال في العالم. تتلاشى عوائق إنشاء مشاريع مؤثرة بشكل كبير، مما يجعل هذا العصر غير مسبوق.. للمبدعين الجريئين وأصحاب الرؤى.
يثير هذا تساؤلاً هاماً آخر: هل ستبقى الجامعة نفسها.. ذات أهمية خلال العقد القادم؟
يواجه التعليم العالي التقليدي.. أزمة وجودية. فمع ازدياد التعلم عبر الإنترنت، والشهادات البديلة، والتوظيف القائم على المهارات، قد لا تكون الشهادة الجامعية – التي يستغرق الحصول عليها أربع سنوات – هي المفتاح الذهبي.. كما كانت في السابق. لن أتفاجأ إذا اختلف تعليم الأبناء – اختلافاً كبيراً – عن تعليمنا؛ مزيجاً من التعليم النظامي، والتعلم الذاتي، والتدريب المهني، والشهادات.
في نهاية المطاف، أتمنى لكل أبناء مصر.. أن يدرسوا ما لا يُعدّهم فقط لمسيرتهم المهنية، بل يساعدهم أيضاً على النمو كأفراد. إذا كانوا فضوليين، ومتعاطفين، وقادرين على التكيف، ومتمسكين بقيم راسخة، أني أؤمن بأنهم سينجحون.. مهما كان المستقبل. ولعل هذا هو الدرس الأهم على الإطلاق: تعلم كيف تكون بشراً بكل معنى الكلمة.. في عصر تقوم فيه الآلات بالكثير من الأعمال، التي كنا نعتقد أننا أسيادها.
نقلاً عن «المصري اليوم»