Times of Egypt

تأملات اليوم التالي

M.Adam

صلاح أبوالفضل

عندما انهار الاتحاد السوفيتي.. في نهاية عام 1991، بدأ التساؤل: متى تأتي نهاية الإمبراطورية الأمريكية؟ لأن كلا النظامين الشيوعي والرأسمالي.. كان ينطوي على عوامل فشله؛ غياب النزعة الفردية في النظام الشمولي، وطغيانها في النظام الرأسمالي. قبل ذلك بعامين، كان بول كينيدي قد نشر كتابه الشهير.. عن صعود وهبوط القوى العظمى؛ الذي حذر فيه من أن تجاوز الإنفاق على التسليح لمتطلبات التقدم، يؤدي إلى سقوط هذه القوى. وقتها، سرت موجات من الخوف في أمريكا من المصير نفسه.. كما حذر كينيدي، لكن خمر الانتصار على الاتحاد السوفيتي دارت برؤوس قادة المجمع الصناعي والساسة الأمريكيين، فتناسوا المخاوف، وانطلقت أمريكا في حمَّى التسليح والهيمنة على العالم، وبشَّر فوكوياما بنهاية التاريخ.. بتربُّع أمريكا على قمته دون منازع، واستمر مسلسل التدمير واغتيال الأمم والشعوب. وقبل ما يقرب من عشرين عاماً على رحيله، تنبأ الراحل محمد حسنين هيكل – في مقال نشرته مجلة «وجهات نظر» – بأن أمريكا ستلجأ إلى حروب دامية في جميع أنحاء العالم، لتستمر في الاحتفاظ بسيطرتها.

ولكن بعد خمسة وثلاثين عاماً من سقوط الاتحاد السوفيتي، بدأت تلوح الآن تباشير السقوط التالي للقوة الأعظم؛ فجَّرتها المقاومة الفلسطينية من ركن غزة المحاصر في 7 أكتوبر سنة 2023.. بضربة مفاجئة لإسرائيل – رأس حربة الإمبريالية العالمية – وبدأ مشهد جنوني لغضب صهيوني عارم.. سعى لإبادة أهل غزة، وطرد كل الفلسطينيين من أرضهم، وإقامة إسرائيل الكبرى. ومع المقاومة الباسلة للشعب الأعزل، تبدَّى فشل المغامرة، وتراجع نتنياهو عن توجيه ضربة لمصر.. لتهجيرهم، فسعى لتغطية فشله.. بابتزاز ترامب لضرب إيران وتدميرها؛ مستغلاً فضائحه مع إبستين، وأموال المتبرعين الصهاينة لحملته الانتخابية.. تمهيداً لبسط السيطرة على كل الأرض العربية من الفرات إلى النيل – مروراً ببلاد الشام وشمال الجزيرة العربية – وهكذا انجرَّت أمريكا إلى مصيدة السقوط المدوِّي.. بحرب ثالثة في نفس الركن من الشرق الأوسط، ارتكزت سابقتها على أكذوبة أسلحة الدمار الشامل في العراق/ وانتهت بفشل ذريع.

 لكن مستنقع السقوط الأمريكي، فضح تغلغل اللوبي الصهيوني في كل مفاصل الدولة العظمى، وشريكتها بريطانيا. وبدأت أصوات الغضب والاحتجاج تتصاعد في أمريكا؛ مَن يقود مَن؟ وما هي مصلحة أمريكا.. في حرب تنقذ فيها مجرم حرب، يريد الهرب من اتهامات الفساد، ويسعى لقيام إسرائيل العظمى.. على أشلاء الدول العربية، حتى لو خسرت أمريكا موقعها في سيادة العالم؟

لكن السهم نفد، كانت فارس المسلمة قد استعدت – على مدى سبعة وأربعين عاماً – لمواجهة حتمية، منذ نادى مرشدها الأول الخميني.. بأن أمريكا هي الشيطان الأعظم. ودارت واحدة من أعجب المعارك في التاريخ، تجهزت إيران لها بشبكة تحالفات استراتيجية محكمة؛ نسجتها بصبر وحنكة، وفهم عميق لصراعات القوى العالمية، واعتمدت فيها على اللحظة التاريخية المواتية، ووظفت فيها أحدث مكتشفات التكنولوجيا السيبرانية الحديثة.. مع وسائل الحرب اللامتوازية. استخدمت فيها الدرونات الرخيصة.. لبلبلة صواريخ الإسقاط المرتفعة الثمن، وشلت الإدارة الأمريكية، وأفرغت قوتها الهائلة من القدرة على حسم المعركة، ثم أكملت الخناق على المعتدي والعالم.. بحصار اقتصادي، دفع دول العالم للضغط عليها لإيقاف المهزلة. ولا يزال النزال مستمراً؛ ينتظر كل طرف أن يستسلم غريمه، لكن كل التحليلات تشير إلى عقم الموقف الأمريكي.. الموزَّع بين خضوع مُخزٍ للسيطرة الصهيونية، الساعية إلى تفجير المنطقة، وقلب هزيمتها.. بالوثوب على باقي الأرض العربية، وبين صراع محدق مع القوة الصينية المستشرية، وحرب أوكرانية فاشلة.. حتى إن ترامب بدأ يبحث عن انتصار آخر.. في بلد صغير مثل كوبا، يكرر انتصاره التافه.. على رئيس فنزويلا.

لن يخرج العالم من هذه المعمعة.. كما دخلها، ولا شك أن كل القوى المختلفة.. تفكر فيما ستستقر عليه الأمور. لكن المؤكد.. أن عصر القوة الأعظم ينتهي، وأن عصراً آخر – متعدد القوى – يتشكل. ستدور صراعاته في مجالات التصنيع والتجارة، وليس الحروب والإرهاب. وتستعد الصين لأخذ موقع القيادة فيه. 

… يترسخ مبدئياً، تقاربٌ روسي صيني، لا يدري أحد إلى متى سيستمر.. قبل أن تظهر فيه حدود المصالح المتعارضة، ولا يدري أحد بعد.. كيف ستتمكن أوروبا من إعادة تموضعها في الخريطة الجديدة، وهل ستستمر في الاتكال على أمريكا.. التي بدأت التخلي عنها. أم ستسقط دولها في جولة جديدة من صراعاتها الداخلية.. خارج مظلة الناتو؟ وكيف ستلعب بريطانيا لعبتها الشهيرة «فرِّق تسُد»، وضد مَن؟

لكن في شرقنا العربي – الذي أنهكته الصراعات البينية والتدخلات الخارجية لقرن من الزمان – تبزغ ضرورة وجود حتمية.. لتلاقي مصالح – غير مسبوق – بين كل دول المنطقة، فرضته الهجمة الصهيونية المجنونة، وانكشاف زيف الحماية الأمريكية الآفلة. وتأكد في هذه الملحمة – كما قيل عن وكيلها الراحل كيسنجر – إصرار إسرائيل على أن بقاءها.. مرهون بتفوقها العسكري التام.. على كل من حولها. وقد برهنت الأعوام الثلاثة المنقضية، على أنه لا وجود لفكرة التعايش السلمي.. في العقلية الإسرائيلية. والخطر – الذي تجسَّد في تدمير غزة، وتكرار المحاولة مع إيران.. بدعم أمريكا، وتجاهلها حماية المنطقة – أصبح دليلاً للجميع.. على الحاجة إلى موقف مستقبلي موحَّد. وتزداد هذه الحاجة مع الصعود المنطقي غير المنكر.. لقوتين كبيرتين؛ إيران.. التي صهرتها الحرب، وستثبت بنصرها.. أحقيتها في دور محوري على طرف آسيا المطل على العالم. وتركيا.. الرابضة على المفصل التاريخي بين الشرق والغرب، بعد أن تبيَّن لها – بعد محاولات عديدة – أن أوروبا لا تريدها، فراحت تلتفت إلى الشرق من جديد.

بعد أن يستقر الرماد، سوف نجد أنفسنا في اليوم التالي.. في مواجهة بقايا المشروع الصهيوني المنهزم، والرافض لتقبُّل هزيمته؛ معتمداً على ترسانة نووية، ونزعات تفوُّق عرقي مجنون، ووهم تقليدي بدونية العرب وضعفهم. ويتوقع محللون غربيون.. أن الدور سيكون على مصر أو تركيا، إذ ليس وارداً – حتى الآن – نهاية الكيان الصهيوني ودولته؛ فهذا أمر مرهون بالتداعيات الداخلية داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي سيتجرَّع نتائج الهزيمة على عدة جبهات؛ أمام غزة ولبنان وإيران. لكن المؤكد، أن كثيراً من الإسرائيليين قد غادروا.. إلى قبرص وبعض دول أوروبا، وهم يسعون الآن لشراء جزيرة في ألبانيا.. بمساعدة المقاول كوشنر وزوجته. وربما لن يتركوا في فلسطين.. إلا عتاة المجرمين من المستوطنين، المصرِّين على الحرب والقتل والتدمير. ولا يلوح بعد، أن التحالف الأمريكي-البريطاني سيتخلى عن إسرائيل، رغم تصاعد أصوات التحذير في أمريكا.. من خطر الصهيونية على بنية المجتمع، بعد انفضاح منظومة إبستين للابتزاز والسيطرة، التي طالت كل مناحي المال والحكم في الدولة العظمى، وفضحت خضوعها الكامل للكيان الصهيوني. 

ولذلك، فإلى أن يسير المشروع الصهيوني إلى نهايته المحتومة، ليس أمامنا جميعاً – كعرب وفرس وأتراك – إلا أن تلتقي مصالحنا المشتركة.. عند هذا المفصل التاريخي؛ بالإصرار على تحجيم هذا الكيان العنصري، بنزع سلاحه النووي، وإقامة دولة فلسطينية حقيقية.. تكون المعادل الفعلي للدولة اليهودية؛ تمنع تمددها، وتثبت حدودها فيما قبل 1967. 

أمريكا ستخرج من المعركة.. أضعف كثيراً مما كانت عليه حين بدأت الحرب. والتقارب بين الأطراف الثلاثة (إيران وتركيا ومصر).. كفيل بفرض حل نهائي للصراع مع السرطان الصهيوني، الذي تنتظره نهاية حتمية.. نتيجة ما سببه من تسريع وتيرة السقوط فيها.

*طبيب نفسي مقيم في المملكة المتحدة 

نقلاً عن  «الشروق»

شارك هذه المقالة