أحمد الجمال
ربما بسبب من ضعف ثقافتي عموماً، وقلة معرفتي بمناهج البحث في علم الآثار، وعلاقته بالتاريخ والاجتماع والأنثروبولوجي، وبالتنمية المستدامة، ثم مراحل تطور علم المصريات، والتمييز بين الحقب الاستعمارية فيه.. ثم تمصيره وتوطينه. ربما بسبب ذلك.. وأكثر منه، استحوذ كتاب «مستقبل علم المصريات» للدكتورة مونيكا حنا.. على اهتمامي ثم تركيزي، ومحاولة التقاط الجديد، الذي قامت المؤلفة بتأصيله، وبقدرة فائقة على تكثيف الكلمات.. دون إخلال بمضمون الفكرة أو الأطروحة، مثلما هي كتابة العامود الصحفي.. بقلم متمكن من أعمدة الكتاب، وليس كتاب الأعمدة!
ولقد اجتهدت أن أفصل بين النص وبين مؤلفته؛ التي لم أكن أعرفها، ولا جرى أي حديث بينها وبيني.
وبعدما نُشر الجزء الأول من هذا المقال الأربعاء قبل الماضي، حدث ما أجبرني على التنقيب في مسيرتها الدراسية والعلمية، وعلى مشاهدة برامج تلفزيونية استضافتها، وعلى محاولة تقصِّي أسباب الخلاف بينها وبين آخرين، ثم حصلت على رقم هاتفها، وفوجئت أنها لم تقرأ المقال.. لأنها خارج مصر، وناقشتها فيما سمعته عنها.. من بعض الكبار في علم الآثار، وفي الحياة الأكاديمية والمجال العام. ولست بصدد التفصيل – أو حتى الإشارة إلى ما سمعته منهم ومنها – لأن بعضه معروض على القضاء.
ثم إنني أؤكد حتمية التعامل مع النصوص.. بما احتوته شكلاً ومضموناً، وليس بمن كتبها، ودوماً أتذكر ما تعلمته.. طوال مشواري في القراءة والكتابة؛ وهو النص الكريم «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون». المائدة (8).
ثم النص الكريم في إنجيل متى: «يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً الْخَشَبةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ» مت 7: 5.
ولقد جمعت المؤلفة – بين سوق أفكارها ورؤاها العلمية، وبين استمزاج رأي غيرها من زملائها الأكاديميين في المجال نفسه، وخاصة في الجزء الخاص بمستقبل علم المصريات – ووردت أسماء مثل إبراهيم ساويرس.. أستاذ الدراسات القبطية المساعد، ومحمود عبد الحافظ.. أستاذ ترميم الآثار غير العضوية، وخالد غريب.. أستاذ الآثار اليونانية والرومانية، وآخرين. بل إنها استمزجت رأي بعض الطلاب؛ تصادف أنهم من أحفاد عائلة عبد الرسول، التي اكتشفت خبيئة الدير البحري. وهما صالح عبد الرسول، وشاهيناز عبد الرسول.. الطالبان في قسم الآثار المصرية بكلية الآثار والتراث الحضاري.
وتم رصد ثلاث نقاط محورية.. لضمان مستقبل أفضل لعلم المصريات؛ هي أولاً: الوضع الراهن في إنتاج الأبحاث. وثانياً: تمثيله في الثقافة الشعبية، وثالثاً: التصورات والآمال عن مستقبله. وفي كل نقطة تفاصيل مهمة؛ منها الانتباه إلى حاجة الحفائر للنشر بشكل أكاديمي ملائم، بدلاً من احتكارها لصالح قلة مختارة.. مما يعوق نشر المعرفة. ومنها القيود المالية، التي تعوق الجهود المصرية.. قياساً على الدعم الخارجي، ومن ثَم استمرار هيمنة الأجانب ومنحهم مكانة أعلى.
ولم يحُل الانتماء الوطني.. دون تشخيص واقع الإنتاج المصري في علم المصريات، وأنه دون المعايير الدولية، وأن الوضع الراهن للبحث العلمي وضع مزرٍ.
ولأن مساحة المقال محدودة، فإنني أعترف بالخلل في الوفاء بعرض الكتاب عرضاً شافياً، ناهيك عن الصعوبة البالغة في اختصار ما هو مختصر مفيد أصلاً.
ولا أنكر ارتياحي لموضوعية المؤلفة وهي تتعامل مع الفترة بعد ثورة يوليو 1952، ودور الثورة في تمصير، وتوطين الوظائف العليا في ذلك المجال، وأيضاً التوسع في تمصير الحفائر وغيرها.
أما مسك ختام الكتاب.. فهو فصل عنوانه «نحو علم مصريات نقدي»، وفيه تكثيف شديد.. لما يجب أن يكون عليه علم المصريات في مرحلة ما بعد إنهاء الاستعمار، الذي استُخدم في اتجاهين متناقضين، الأول: لمكافحة التحيز الغربي المتأصل في المجموعات المتحفية، وفي ممارسات علم المصريات وعلم الآثار عموماً، والثاني: كشعار.. يعطي شرعية للمؤسسات القائمة، ويعيد تقديمها بوجه مغاير للجمهور.. ككيانات تقدمية.
ثم إننا «إذا كنا نرغب فعلاً في نجاة مصر القديمة، وبقائها إلى المستقبل؛ فعلى علم المصريات أن ينخرط بشكل كامل.. في التنمية المستدامة لمصر المعاصرة؛ فالمجتمعات التي يهملها العمل الأثري، ستهمله هي أيضاً بدورها. وربما تُنهب المواقع الأثرية، أو يُستَولي على أراضيها؛ كما شهد معظم العاملين في هذا المجال، وكما وثّقت في هذا الكتاب».
الكتاب وثيقة علمية مهمة، تقدم تصوراً مهماً لنقلة كيفية، ليس في مجال الآثار وعلم المصريات فقط، وإنما في مجال تكامل العمل الوطني.
نقلاً عن «المصري اليوم»