وجيه وهبة
كان نجيب محفوظ يتقدم ويتدفق.. يوماً بعد يوم، كأنه وردة نادرة.. تجدد عطرها وألوانها كل صباح» (رجاء النقاش(.
في مثل هذا اليوم منذ عشرين عاماً، رحل عن عالمنا «نجيب محفوظ»، بعد أن أثرى الحياة الأدبية والإنسانية بأعماله الخالدة، وشخصيته المتفردة.
كتب عنه وعن أعماله الكثيرون، ومن بين هؤلاء، تظل كتابات الناقد الكبير «رجاء النقاش».. من أكثر الكتابات تعمقاً في عالمه الأدبي، وقرباً من شخصيته الإنسانية. وها هنا نعرض لبضعة سطور من كتابه؛ «في حب نجيب محفوظ» (1988)، تصف «محفوظ» في براعة وصدق وإيجاز، إذ يقول:
هو رجل متوسط الطول، نحيف جداً.. يعاني من مرض السكر وضعف السمع. ولكن قلبه مليء بنور الحب، وذكاء المعرفة، وقوة النبوغ. رجل شديد التواضع، صاحب نفس قوية.. لا تعرف الجزع الشديد، ولا تعترف بالأفراح الصاخبة، ولكنها نفس تعرف المواجهة الدافئة القوية.. لكل الأفراح والأحزان. رجل ينظر إلى الأمام، فإذا وجد في طريقه طوبة، انحنى وحملها بيديه، وألقى بها – في هدوء – إلى جانب الرصيف.. حتى لا تعوق مسيرته أو مسيرة الآخرين. يحبه الجميع؛ لأنه يحب الجميع، ولا يعرف في قاموسه كلمة الكره.
تستطيع أن تصافحه في أي وقت، وأن تمشي معه، وتتحدث إليه في أي موضوع. ولن يردك الرجل، أو يرفض مودتك وصداقتك.. حتى لو كنتما تلتقيان لأول مرة. يلبس ملابس نظيفة، ولكنها غاية في البساطة، ويرفض طيلة حياته.. أن يقيد نفسه بأي رباط عنق. كان أمامه أن يكون صاحب جاه ومنصب ومال، ولكنه آثر – على الدوام – أن يكون صاحب قلب وقلم، ورضي بأن تكون ثروته هي «الستر»، واحتفظ بابتسامة الرضا على شفتيه، ودفء المشاعر الكريمة في قلبه. يمشي على قدميه منذ نصف قرن.. خمسة كيلومترات كل يوم. ولم يغير هذه العادة في أي يوم من الأيام.
الحرافيش وأحمد مظهر
في أغسطس من العام (1990)، بدأ «رجاء النقاش» تسجيل سلسلة حوارات مع «نجيب محفوظ» – بقهوة «على بابا» – تتناول سيرته. ومع نهاية العام التالي، تجمعت لديه مادة ثرية، أسفرت عن صدور كتاب «نجيب محفوظ.. صفحات من مذكراته» (عام 1998).. في ذكرى مرور عشر سنوات على حصوله على جائزة «نوبل».
لم يحدث من قبل، أن أدلى «محفوظ» بأحاديث واعترافات مهمة.. بمثل هذه الصراحة، التي تحدث بها مع «رجاء النقاش»؛ مما يبين عن مقدار الثقة والحب والتقدير المتبادل.
ومن هذه الأحاديث المهمة – على سبيل المثال – ما ذكره «محفوظ» عن الفنان «أحمد مظهر»، وهو أحد أعمدة دائرة أصدقاء «محفوظ» الضيقة، الذين اختار لهم «مظهر» اسم «الحرافيش». وكان «مظهر» – من الضباط الأحرار الأوائل، ودفعة «ناصر» في الكلية الحربية – حين «اختاره التنظيم للاتصال بالدكتور محمد صلاح الدين باشا – وزير خارجية الوفد – وكان في الوقت نفسه والد زوجة أحمد مظهر، لينقل للنحاس باشا رئيس حزب الوفد (ورئيس الوزراء في تلك الفترة عام 1950).. رسالة خطيرة. كان مضمون الرسالة أن تنظيم الضباط الأحرار.. يرتب لانقلاب يخلع به الملك، وأن التنظيم مستعد للتعاون مع «النحاس باشا».. إذا أعلن موافقته على الانقلاب. ولكن «النحاس» رفض الفكرة، على أساس أن الجيش لا يصح أن يتدخل في السياسة، وقال الدكتور صلاح الدين لمظهر – على لسان النحاس – «إن الجيش إذا دخل في السياسة، فإنه لن يخرج منها ثانية». ا.هـ
في الثمانينيات من القرن الماضي كنت – مثل العديدين من أهل الفن والأدب – من الكائنات الليلية، تلك الكائنات التي تنام مع شروق الشمس، وتستيقظ وتبدأ الحياة اليومية بعد الظهر. وذات عصر من أيام أكتوبر 1988، تلقيت اتصالاً تليفونياً من الصحفية الإيطالية «إيلاريا ألبي».. مراسلة التليفزيون الإيطالي بالقاهرة (اغتيلت أثناء تغطيتها للحرب الأهلية في الصومال عام 1994).
سألتني «إيلاريا» عن إمكانية أن تلتقي بالكاتب المصري.. الذي أعلنت وكالات الأنباء منذ دقائق حصوله على جائزة نوبل في الآداب. لم يكن قد مر على استيقاظي دقائق. فلم أستوعب الأمر، كانت تردد: «مافوظ.. مافوظ» (لا يستطيع الإيطاليون نطق حرف الحاء ولا الهاء). ظننتها تمزح معي، ولكنها طلبت مني أن أشاهد التليفزيون، ثم أعاود الاتصال بها. فعلت مثلما طلبت، فعلمت بنبأ فوز «نجيب محفوظ» بجائزة نوبل.
عاودت الاتصال بها، وأخبرتها أن أسهل وأسرع وسيلة للقائه.. هي أن تذهب في الصباح الباكر إلى كافيتيريا «على بابا» بميدان التحرير. في أول الأمر ظنت أنني أمازحها، ولكن عندما أدركت أنني لا أمزح، سخرت «إيلاريا» من سذاجتي، قائلة في دهشة: «أنت مجنون.. ياخد نوبل بعد الظهر، وثاني يوم الصبح يروح القهوة!!». ولكنني أصررت، وتمسكت بما قلته. أجابتني أنها ستذهب فقط.. لكي تكسب الرهان، وتثبت خطئي و«جنوني».
وقد كان.. ذهبت «إيلاريا».. ولكنها خسرت الرهان. فقد وجدت «مافوظ» هناك، مثلما توقعت أنا، وكما هي عادته كل يوم. لم تغيره «نوبل» قيد أنملة. في الصباح الباكر، يغادر منزله المطل على نيل حي «العجوزة»، متوجهاً لعمله سيراً على الأقدام. يصل إلى «قهوة على بابا» بميدان التحرير، يحتسي قهوته في الدور الثاني.. بينما يتصفح الصحف اليومية. ثم يستأنف المشي إلى مكتبه بجريدة «الأهرام» في شارع الجلاء.
هذا هو «نجيب محفوظ».. المبدع، الذي لم تنل الشهرة العالمية من جميل خصاله الإنسانية، وأولها التواضع الشديد، غير المصطنع. كان «محفوظ» نموذجاً للشخص «المستغني».. لم يسعَ للجوائز، فجاءت إليه أكبر جائزة في العالم. وكأنما هو يتمثل «المتنبي».. حين يقول: أنام ملء جفوني عن شواردها.. ويسهر الخلق جراها ويختصم.
نقلاً عن «المصري اليوم«