د. نيفين مسعد
في خضم الجدل الإيراني الداخلي.. حول اتفاقية مكة بين السعودية وباكستان وتركيا، يجدر بنا التوقف لتحليل موقف محمد جواد ظريف – وزير خارجية إيران الأسبق – إزاءها.
ذلك لأن أهمية الرجل.. تتجاوز جمعه بين الدراسة الأكاديمية للعلاقات الدولية من جهة، وممارسته الناجحة لعملية التفاوض من جهة أخرى.. إلى أنه لا يكف عن إنتاج الأفكار، وطرح المبادرات لمستقبل الشرق الأوسط. وفي قول آخر.. لمستقبل غرب آسيا الإسلامي.
وهو يفعل ذلك، عبر العديد من المنصات الإعلامية الإيرانية والأجنبية؛ فظريف كان مهندس مبادرة هرمز للسلام في 2019، ومن بعدها مبادرتا «مودّة» و«منارة».. اللتان طرحتا أطراً وموضوعات مختلفة للتعاون الإقليمي. ثم إن صوت محمد جواد ظريف.. هو من الأصوات التي يحرص النظام الإيراني على وجودها. صحيح أن الرجل له خصومه.. مع التيار المحافظ، الذي لا يكاد رموزه يتركون فرصة لتشويهه.. إلا واقتنصوها. ولعلنا نذكر هنا التسريب الصوتي، الذي انتقد فيه ظريف تدخل الحرس الثوري.. في توجيه السياسة الخارجية الإيرانية. وكان الهدف، هو قطع الطريق عليه.. للترشح أمام إبراهيم رئيسي في الانتخابات الرئاسية لعام 2021.
لكن ظريف – في الوقت نفسه – حاضر ونشط بوفرة.. على الساحتين السياسية والأكاديمية الإيرانية؛ يحاضر ويكتب، كما أنه – قبل أكثر من عام تقريباً – قام بتأسيس منتدى للحوار (أو مركز للتفكير) مع مجموعة من الباحثين.. تحت اسم «باياب»؛ وهو اختصار لعنوان «الباحثون عن مستقبل أفضل».
ولو أراد النظام إسكات صوت ظريف، لكان له نفس مصير مير حسين موسوي، أو مهدي كروبي.. على سبيل المثال. لكن ظريف يشتغل على تطوير الأفكار، وإنضاج الرؤى السياسية. أما التعبئة الشعبية – التي يخشاها النظام الإيراني – فليست مجاله، وهي ليست مضمونة العواقب.. في ظل احتفاظ هذا النظام بنواته الصلبة، وقوته الضاربة.
علّق ظريف على اتفاقية مكة – من خلال منصة إكس – قائلاً: «كما كتبتُ قبل عام في مقال إسرائيل الكبرى ومنطقتنا القوية، فإن السياسة العنصرية والتوسعية لإسرائيل الكبرى.. التي يتبعها الصهاينة – حتى في تصريحاتهم الأخيرة – تؤكد الحاجة الماسة لإبرام معاهدات دفاعية شاملة.. بين الدول الإسلامية».
وفي مناقشة هذا التعليق المهم، يجدر بنا تسجيل ثلاث ملاحظات أساسية؛ الملاحظة الأولى: هي أنه بينما أن اتفاقية مكة.. تجنبت تحديد العدو المطلوب منها ردعه، فإن المعاهدات الدفاعية التي يدعو إليها ظريف.. تحدد عدوها بكل وضوح، أي إسرائيل. وعندما نعود إلى مقال «إسرائيل الكبرى ومنطقتنا القوية» – الذي أشار إليه ظريف في تغريدته على منصة إكس – سنجده يتحدث فيه عن رؤية لمنطقة غرب آسيا.. تكون بديلة للرؤية الإسرائيلية؛ وهي رؤية تهدف لجعل هذه المنطقة قوية، لا تهيمن فيها دولة على أخرى. وتستمد – وفقاً له – قيم العدل والتكاتف والسيادة ووحدة الأراضي، وعدم التدخل والتعاون من الدين المشترك؛ أي الإسلام. ويقترح ظريف تشكيل إطار للتحاور بين مسلمي غرب آسيا.. للتشاور في قضايا الأمن والاقتصاد والثقافة، بحيث يتحول الإطار لاحقاً.. إلى هيكل أمني إقليمي، وهذه فكرة سبق له طرحها في مبادرة مودّة.
الملاحظة الثانية: هي أنه.. في حين ترك أطراف اتفاقية مكة الباب موارباً، أمام انضمام المزيد من الأعضاء.. دون تقديم تفاصيل، فإن ظريف يشير إلى معاهدات بين دول غرب آسيا الإسلامية.. على سبيل الحصر.
الملاحظة الثالثة: (التي ترتبط بسابقتها).. هي أن ظريف، وإن لم ينتقد بشكل مباشر اقتصار اتفاقية مكة على ثلاث دول كبداية، إلا أن مضمون كلامه، هو أن هذه الاتفاقية الثلاثية.. غير كافية لتوفير الأمن المطلوب.
ومن الجدير بالذكر، أن ظريف كان قد كتب مقالاً – في العدد الأول من المجلة الصادرة عن مركز «باياب»، في الخامس من شهر أغسطس الحالي.. أي قبل يومين فقط من توقيع اتفاقية مكة – دعا فيه إلى تكوين تحالف سياسي، يضم في نواته المركزية.. إيران وتركيا وباكستان، مع كلٍ من مصر والسعودية، بالتعاون مع قطر وعُمان وإندونيسيا وماليزيا.. وغيرها من الدول المتوافقة. ويُلاحظ هنا، استبعاد ثلاث من دول الخليج؛ هي الإمارات والكويت والبحرين.. على الأقل في المراحل الأولى للتحالف المُقترح. ونفتح قوسين هنا.. للإشارة لما يُتداول عن تلقي إيران عرضاً للانضمام للاتفاقية (اتفاقية مكة) ، وهذا موضع تساؤل.
في الشق الذي يخصنا – نحن العرب – يثور السؤال.. حول كيف نتعاطى مع أفكار ظريف، التي يرد بها على اتفاق مكة؟
مبدئياً، فإن انشغال ظريف بالتعاون.. بدلاً من الصراع، وبالمستقبل.. بدلاً من الماضي، هو أمر مرحب به. كما أن طرحه.. القائم على ضرورة مواجهة المشروع الإسرائيلي الاستيطاني التوسعي، وأن ينبثق أمن المنطقة من داخلها – وليس من ترتيبات خارجية ثبت عقمها – هو طرح سليم.
لكن قبل الدخول في مناقشة التفاصيل العملية – التي تخص بعض الإشكاليات المعقدة؛ مثل طبيعة العلاقة بين الأطراف، وما إذا كانت تتخذ شكل التنسيق أم الشراكة أم التحالف، ومعايير التضمين والاستبعاد لدول دون أخرى، وحدود التقاطع بين غرب آسيا، والوطن العربي، والشرق الأوسط وبين هذا التجمع الإسلامي والتجمعات الأخرى.. التي ينخرط فيها الأطراف، ومحاور العلاقة وأبعادها السياسية والاقتصادية والأمنية المختلفة، وسبل تفعيلها. يجب البدء بمناقشة شفافة ومفتوحة.. للإطار القيمي أو المبدئي، الذي يصفه ظريف بأنه مشترك.
فهناك العديد من المبادئ.. التي لا يمكن الاختلاف عليها؛ كعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، أو احترام السيادة الوطنية، أو الحفاظ على الوحدة الترابية، أو عدم الاعتداء على الغير. لكن هذه المبادئ تتبخر – عندما تُعرض على الواقع – لأنها قد تصطدم بالمصالح السياسية الضيقة. وبالتالي، فلو أمكن أن يوفر مركز «باياب» مساراً ثانياً للتناقش بين الأكاديميين والباحثين من العرب والإيرانيين.. حول الإطار القيمي أو المبدئي الناظم للعلاقة بين إيران وجوارها العربي، فإن ذلك سيساعد في وضع النقاط على الحروف، ويساعد على بناء علاقة صحية.. تتخلص من شوائب الماضي، وتقدم نموذجاً مختلفاً للمستقبل.
هذا المسار الثاني.. يمكن أن يتم تفعيله عن طريق اللقاءات الفعلية أو الافتراضية، ومن خلال الكتابة في مجلة المركز، وعلى موقعه الإلكتروني، وعبر تنظيم الندوات العلمية المشتركة، والاستفادة من تجارب الحوار المناظرة.. سواء في منطقة الخليج أو حول العالم.
يوصف جواد ظريف – الدبلوماسي المبتسم – بأنه داهية سياسية. وهو يعلم – علم اليقين – أنه ليس بالشعارات الجذابة.. تبنى الثقة بين الدول، أو تتغير الصور الذهنية المسبقة.
نقلاً عن «الأهرام»