تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الجنوب العالمي.. هل ينجح في مهمته التاريخية؟

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

هل يمثل الجنوب العالمي.. تحولاً حقيقياً في بنية النظام الدولي المرتبك؟ وإذا كان الجنوب العالمي يمثل بالفعل تحولاً في تلك البنية، فهل سينجح في مهمته التاريخية؟ عن هذين السؤالين يبدع تقرير «أوضاع العالم» عام 2024، في الإجابة عنهما (كما توضح الترجمة العربية الصادرة حديثا). صدر التقرير تحت إشراف عالم الاجتماع السياسي الفرنسي «برتران بادي» (76 عاماً) والكاتب والمؤرخ الفرنسي دومينيك فيدال (76 عاماً) بعنوان: «ساعة الجنوب أو اختراع نظام عالمي جديد». (نعتمد على الترجمة العربية التي قام بها الأستاذ نصير مروة، وصدرت عن مؤسسة الفكر العربي التي دأبت على نشر التقرير منذ عام 2008).

ينطلق التقرير من فكرة.. مفادها أن «الجنوب العالمي» ليس مصطلحاً بديلاً لكتلتي «عدم الانحياز»، و«العالم الثالث».. التاريخيتين. فالمفهومان ارتبطا – بالأساس – بمرحلة الحرب الباردة. أما الجنوب العالمي.. الراهن – حسب بادي – فإنه «يجمع دولاً أو بلداناً متغايرة، ويتقبل جملة من التضادات، ومجموعة من الاختلافات والتعاكسات الحادة اللافتة؛ إذ إنه يضع – في الخانة ذاتها ويضم في المُندرج نفسه – الصين وجمهورية وسط إفريقيا مثلاً، والبرازيل وجزيرة سانت لوسي، والهند وناورو، …» 

يتجاوز التقرير – في مقدمته التي كتبها «برتران بادي» – عن تعريف الجنوب العالمي.. تعريفاً جغرافياً أو اقتصادياً، إلى تعريفه تعريفاً سياسياً واجتماعياً. فبالرغم من الكثير من التناقضات الجلية بين عناصر دول الجنوب العالمي، والامتداد الجغرافي الواسع الذي تعكسه عضوية هذا التكتل، فإن أهم ما في هذا التكتل.. أنه قام انطلاقاً من أمرين؛ الأول: الخبرات المشتركة. والثاني: النضالات التاريخية السياسية والاقتصادية.

بالنسبة للخبرات المشتركة؛ فهناك تجربة الاستعمار، وتجارب التنمية المستقلة.. بتنويعاتها المختلفة، والتهميش في مؤسسات الحوكمة الدولية، والمعاناة من النظام الدولي.. الذي كان يعكس – في الأغلب – مصالح القوى التي صاغته. أما بالنسبة للنضالات التاريخية الاقتصادية والسياسية؛ فتجلت في التكتلات التي انخرطت فيها الدول الحديثة الاستقلال.. التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية، في محاولة للنأي بنفسها – آنذاك – عن الثنائية القطبية؛ الغربية/الرأسمالية والشرقية/الاشتراكية. ومواجهة فرض التبعية الاقتصادية والسياسية. من هذه التجليات.. مؤتمر باندونج 1955، وحركة عدم الانحياز، ومجموعة الـ77، وصولاً إلى المطالبة بإقامة نظام اقتصادي دولي جديد مطلع السبعينيات. بيد أن الليبرالية الجديدة، والعولمة.. اللتين اجتاحتا العالم منذ مطلع الثمانينيات، قد قوَّضتا كل محاولات العالم الثالث لكسر الهيمنة.

إلا أن هذه الخبرات وتلك النضالات.. لم تذهب سُدى، إذ تراكمت على مدى أكثر من نصف قرن.. لتخلق قدرة تعبوية ذاتية، تشكل «طاقة متعددة العناصر».. من شأنها أن تدفع الجنوب العالمي إلى ممارسة «دور مبادر، لاختراع عالم جديد.. يعمل على إفشال لعبة الهيمنة التاريخية؛ التي تولت قيادة العالم، وتنظيم وتيرة إيقاعات أربعة قرون من العصر الوستفالي». فلقد بات «قوام الجنوب العالمي حالياً يتكون من 134 عضواً. وتلك – في الحق، حسب التقرير – خير ترجمة حسابية حية.. لما هو الجنوب اليوم، ولِما كانه بالأمس، أي الجنوب ذا القاعدة الاقتصادية المُتقاسَمة، حتى ولو كانت بالغة التفاوت، وبمرجعية تعود بها إلى فكرة التنمية.. التي لم ولن تتخلى هذه البلدان ــ والصين معها ومن بينها ــ عنها مطلقاً، ولا عن خميرة احتجاجية معارضة.. تُصوب على بناء نظام معياري جديد» للعالم. 

والمسألة هنا.. ليست – يقول «بادي» – «مسألة تكوين كتلة جديدة، أو تكتل جديد»،…كما أن المسألة لا تعني حلول الجنوب العالمي.. محل الغرب التاريخي. بل تعني أن زمن استئثار الغرب بإدارة النظام العالمي.. قد أصبحت من الماضي. وأن أي تفكير يتعلق بالنظام الدولي – ومؤسساته ومنظومته الاقتصادية وشؤونه العامة – لم يعد من الممكن أن يتم في غيبة الجنوب العالمي.. الذي يمتلك عناصر قوة هائلة مثل؛ أغلبية سكان العالم، موارد طبيعية ضخمة، أسواقاً متنامية، ثقلاً اقتصادياً متزايداً، وموقعاً مركزياً في ملفات الطاقة، والغذاء، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا.

في هذا الإطار، ينقسم التقرير إلى قسمين كبيرين.. يضمان عشرين نصاً بحثياً كما يلي؛ القسم الأول: تجدد كتابة إحقاق الجنوب في القرن العشرين. والحروب وما صارت إليه. والجنوب والمنظمات الإقليمية والدولية. وشعبويات الجنوب؛ أي خاصيات. ومن التبادل الاجتماعي غير المتساوي، إلى التبادل البيئوي غير المتساوي. والتعاونات جنوب-جنوب. والمهاجرون الغرقى في البحر الأبيض المتوسط، أرقام مثيرة لانعدام الأمن في الجنوب العالمي. والجنوب العالمي تحت الضغط المناخي.

القسم الثاني: نبذ أمريكا.. هو كسب ونجاح للصين. والهند والجنوب والانحياز المتعدد. وهل تكون الآسيانية مساراً جديداً لتعريف الجنوب العالمي؟ والعالم العربي ومرجعية الجنوب: من الناصرية وما بعدها. والمشهد من إفريقيا: من الوحدة الجامعة الإفريقية إلى دبلوماسية السانحة. والمراودات اللاتينو-أمريكية من جيفارا إلى لولا. والأنساب الاستعمارية للتمثلات الأمريكية للجنوب العالمي. والمغرب انقسام وتنويع. وتركيا: بلد من الجنوب في الشمال أم العكس؟ وفرنسا، أوروبا والجنوبات: كم من الفرص الضائعة. وغزة والجنوب والنظام الدولي. والاستخدامات الروسية للجنوب العالمي: تلاوين استراتيجية الإغراء التحايلي.

تعكس النصوص زخماً معرفياً وفكرياً في مقاربة الجنوب العالمي.. من زوايا موضوعية وإشكالية وموقفية مختلفة. كما ترسم بدقة حركية القوى/الدول المختلفة في الفضاء العالمي.. على المستويات الاقتصادية والسياسية. ولعل الفكرة البالغة الأهمية – التي يُلح عليها التقرير، بصورة أو أخرى – هي أن «علاقات القوة القديمة قد تخلخلت، وأن هناك علاقات قوة جديدة قيد التشكل»؛ ما يتيح الفرصة أمام الجنوب العالمي.. أن يبلور بديلاً تاريخياً جديداً؛ شريطة ألا يظل الجنوب منقسماً، وأن يتجاوز الوضعيات: التفاوتية، والسلطوية، والريعية، والاستهلاكية، والانقسامية، والاعتمادية. 

فهل سيقدر الجنوب العالمي – الذي صار صعوده حقيقة – على أن يطرح تصورات، ويقدم حلولاً.. يمكن أن توصف بالتصورات والحلول الجنوبية للمشاكل الكوكبية؛ المناخ، والديون، والطاقة، والهجرة، والتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي،…، إلخ. وهل سيستطيع الجنوب أن يسهم في صياغة مرجعية قانونية ومؤسسية.. تتجاوز القواعد والممارسات التي حكمت النظام الدولي واقتصاده منذ العصر الوستفالي؟

وبعد، نستعيد السؤال الاستهلالي الذي طرحه «برتران بادي» – في مقدمة التقرير – «أفتكون ساعة الجنوب.. عالمياً كان هذا الجنوب أو غير عالمي قد أزفت؟»، كي يلعب دوراً تاريخياً في إنتاج نظام دولي جديد، ومنظومة اقتصادية جديدة.. يكون من شأنها التأسيس لعالم جديد أكثر عدلاً. هذا هو ما قصدناه بالمهمة التاريخية. فهل ينجح في إنجازها الجنوب العالمي؟

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة