عادل نعمان
السيد وزير الدولة للإعلام.. يصدر بيانًا تحت عنوان «فضفضة ضرورية لتطوير الإعلام المصري»، يطالب فيه بتوسيع دائرة الحوار، ونقل صوت المواطن. وأعتقد أن هذه الفضفضة.. بديلٌ عن استقطاب بعض المحطات لقطاع ليس بالقليل. ويتصور معاليه.. أن إعلامه هو الأحق بالفضفضة من المحطات الأخرى. وتحضرني حكاية جحا.. حين همَّ بتوزيع لحم الأضاحي صدقة على الفقراء، وأضمر في نفسه أن يعود باللحم من حيث أتى؛ فتحايل على الحضور، حتى عاد باللحم إلى بيته.
ونحن أيضاً نتحايل.. حتى نكون أولى بفضفضة أهلنا، عن غيرنا.. «مع الاعتذار طبعاً».
يا سيدي الوزير، انصرف الناس بأوجاعهم هنا وهناك، وتفرقوا شيعاً عنكم.. فلربما يجدون ضالتهم وبغيتهم، والضائع المفقود.
أتعرف لماذا يا معالي الوزير؟
لأن الناس قد سئمت انتظار الحقيقة، وملَّت من هذه القنوات والمواقع، وأسفت على ما أصاب الإعلام من خلل مهنى مهين، وتأسَّت من غياب الحقيقة، وكشف جوانبها.. عند كل موقف أو كارثة، وجب على الناس معرفة حقيقتها، ومن المتسبب، وأبعادها وتداعياتها. وربما تغيب – في طي الكتمان المقصود – ولا يسأل فينا أحد.. بحجة أن التحقيق مازال مستمراً ومازال!!
لهث الناس وراء الكذب «المتساوي»، أو الحقيقة «المنعكشة»؛ فربما نخرج منهما.. بنصف العمى أفضل من العمى كله.
إياك أن تحسب أن هذا انتصار للإعلام الآخر؛ إنه هزيمة بنيران صديقة، أو قلها صراحة: نحن الذين سجلنا الهدف في مرمانا.. دون تسلل.
سيادة الوزير..
كفانا فضفضة، وتعال نجرب حرية الحوار، والكلام، والنقاش.. بديلاً عن هذه الفضفضة. تعال نتبادل الآراء بحرية كاملة.. دون قيود، وتكشفون لنا المستور عن كل الحقائق.. في وقتها ولحظتها، دون عزل أو إخفاء، وأن نجرب معاً.. أن تكون حرية الإعلام مسؤولية منظومة إعلامية رشيدة، بعيدة عن الاستقطاب الرسمي والتوجيه. وليس كما هو متبع.. من التضييق والإغلاق، وهو الطريق الأسهل.. إلا إنه طريق الهلاك.
… وهيّا نجرب الاعتماد على أصحاب الخبرة والمهنية والحرفية، وليس أصحاب الولاء والانتماء. ثم نجرب حرية تداول المعلومات.. دون قيود أو توجيهات، والأهم.. الانتماء للمواطن، واحترام عقله وفكره.
وأدعوك إلى تجنب هذه الفضفضة.. التي لا طائل منها؛ فهي لا تسمن، ولا تغني من جوع. وهي – في النهاية – لا تتعدى «كلام ساكت»، أو حوار فارغ، أو فض مجالس.
ثم تعال إلى فصل الخطاب، ولب الموضوع.. دون إرادة سياسية في إطلاق حرية الإعلام، فأغلق الباب علينا جميعاً، وأقم على الإعلام مأتماً وعويلاً.
السيد الوزير..
ثم ماذا يعني «الحرية مسؤولية»؟ ما رأينا في كل تعريف، أو توجيه ،أو انضباط.. سوى مزيد من القيود. فهذه الحرية المسؤولة.. هي كلمة حق يراد بها باطل، فليس هناك حرية.. دون مسؤولية، وليس هناك حرية سائبة.. حتى في أعتى الدول الحرة. ولا حرية دون التزام، فالقانون هو الذي يرسم الحدود، ويحدد الزوايا، وينشئ الفواصل، ويحدد المعايير والقواعد والمواثيق، ويحدد هذه المسؤولية. ومتى تتمدد؟ وأين ومتى تقف على الأربع؟
إن لم يكن ميثاق شرف المهنة.. من أصحاب المهنة ذاتها، والقانون الذي يشرعه المشرع.. بعيداً عن خطوط السياسة والنظام، فإن المسؤولية تصبح عبئاً، وعيباً على كل الأطراف.
معالى الوزير..
لو وجدنا المعلومة صادقة.. في وقتها المناسب، ما خدعنا مخادع، وما احتال علينا محتال، وما سفَّهنا سفيه، وما تجرأ أحد على عقولنا وأدمغتنا، وسلبنا القرار والاتجاه.
نحن أولاد الدولة، نشيب على ما شببنا عليه.
… بلاها فضفضة، وبلاها حرية إعلام، بل وبلاها عيشة، حتى يأذن الله أمراً كان مفعولاً.
(الدولة المدنية هي الحل)
نقلاً عن «المصري اليوم»