سمير مرقص
خلصنا في مقال الأمس، إلى أن التحول في دراسة الدين.. ليس مجرد انتقال من المؤسسة إلى الشبكة، ومن الشبكة إلى المنصة، ومن المنصة إلى الخوارزمية. أو من الكنيسة والمسجد إلى الشاشة الرقمية. وإنما أصبح انتقالاً في شروط إنتاج المعرفة الدينية، والسلطة، والانتماء، والهوية، والممارسة.
وقد أتت هذه الخلاصة، في إطار تتبعنا لمسار دراسة الدين من الزمن الصناعي، وما بعد الصناعي/العولمي.. إلى الزمن الرقمي. فلقد أدت الطفرة التكنولوجية الرقمية، وحضورها البنيوي العميق في حياة الإنسان المعاصر، من حيث.. قيمها، وأفكارها، وتوجهاتها، وسلوكياتها وممارساتها وعلاقاتها؛ إلى انطلاق موجة بحثية جديدة، تعمل على دراسة ما طرأ على الحياة الإنسانية؛ بأبعادها المتعددة من مستجدات في الزمن الرقمي، خاصة البعد الديني في حياة الإنسان المعاصر.
في هذا الإطار، تأتي مدير «شبكة دراسات الميديا الجديدة والدين والثقافة الرقمية».. هايدي كامبل، في مقدمة الباحثين الذين عنوا بمحاولة الإجابة عن سؤال جوهري هو: ماذا يحدث للدين، عندما لا تتغير المؤسسات والمجالات الاجتماعية فحسب، بل تتغير البيئة الاتصالية والمعرفية التي يمارس فيها الدين وينتج ويتداول؟
من هذه النقطة، يبدأ الانتقال من سوسيولوجيا الدين في المجتمع الصناعي وما بعد الصناعي، إلى دراسة علم اجتماع الدين في الزمن الرقمي، أو ما بات يُعرف اصطلاحاً بالدين الرقمي Digital Religion؛ وهو سؤال متعدد مستويات البحث، إذ يقارب تلك العلاقة المركبة.. الناشئة بين الدين والتكنولوجيا الرقمية والخوارزمية والذكائية الاصطناعية.
كشفت الإجابة عن السؤال الرئيسي حول الدين في الزمن الرقمي، عن أن جوانب أساسية من الحياة الدينية للإنسان بما تتضمنه من أفكار عقدية وممارسات روحية، يعاد تشكيلها في العمق. ففي الأزمنة السابقة، كانت المرجعية الدينية المؤسسية حاضرة بقوة في تحديد المسارات الإيمانية للمتدين/المؤمن.
أما في الزمن الرقمي، فلقد برز كثير من الفاعلين – أو ما بات يطلق عليهم «المؤثرون الرقميون» – وتعددت الكيانات المنافسة للمرجعيات الدينية التاريخية التقليدية المؤسسية، عبر أعداد لا حصر لها من الوسائط والشبكات والمنصات الرقمية.. تقدم الخدمة والمشورة الدينية، وتنتج الخطاب الديني على أوسع نطاق.
وعن هذا التشكل والتحول التاريخيين.. لوضعية الدين في حياة الإنسان المعاصر، تشير «هايدي كامبل» إلى أن: «التكنولوجيا الرقمية لم تلغِ مكانة المرجعية الدينية التقليدية، إلا أنها أدخلت إلى المجال الديني فاعلين ووسائط وشبكات، جعلت الإنتاج الفكري الديني وخطاباته أكثر توزعاً وتعقيداً»؛ بلغة أخرى.. في النموذج التاريخي الكلاسيكي الديني، كانت المرجعية الدينية ترتبط – بدرجة كبيرة – بمؤسسية واضحة ومنضبطة.
فهناك من يفسر النص، ومن يُعلم، ومن يعظ، ومن يحدد قواعد الممارسة، وهناك جمهور يتلقى هذه المعرفة ويشارك في الطقوس المقننة والمتعارف عليها.. على مدى زمني ممتد. إلا أن الزمن الرقمي – بما أنتجه من شبكات ومنصات وفاعلين مؤثرين – قد غيَّر علاقة الإنسان بالدين. إذ أصبح الإنسان في هذا الزمن الرقمي.. بإمكانه أن يتواصل مع مصادر دينية متعددة ومختلفة، وأن يقارن بين التوجهات والتفسيرات الدينية المتعددة والمتنوعة، وأن يتابع – ويتبع إن لزم الأمر – أشخاصاً أو كيانات من خارج المرجعيات الدينية المعتمدة.
كما يمكن لهذا الإنسان، أن يطرح سؤاله/أسئلته.. التي تتبادر إلى ذهنه، خاصة تلك التي تؤرق ضميره الديني.. ملتمساً الإجابة من هنا أو هناك.
هكذا صارت المنصة/الشبكة.. بما تضم من مؤثرين رقميين، تنافس الكيانات الدينية ورجال الدين والفقهاء واللاهوتيين المعتمدين. ومن ثم توجد مرجعيات متوازية. بالأخير – أردنا أو لم نرد – (يمكن مراجعة كتب هايدي كامبل التالية: الإبداعات الرقمية وإعادة التفكير في السلطة الدينية ــ 2020، والدين الرقمي: فهم الممارسة الدينية في الميديا الرقمية ــ 2022، الدين الرقمي: الأسس ــ 2023… وأخيراً كتابها الصادر في العام الماضي: الله والتكنولوجيا ــ 2025).
ولعل من أبرز التحولات – التي يمكن استخلاصها من كتابات «كامبل» – أربعة مستويات (مترابطة) من التغيرات لحقت بعلاقة الإنسان بالدين في الزمن الرقمي، كما يلي؛ أولاً: تغير يتعلق بالممارسة. وثانياً: تغير من جهة علاقة الإنسان بالمرجعية الدينية. وثالثاً: تغير يمس طريقة إدراك المعرفة الدينية. ورابعاً: تغير خاص بالمخيلة الرقمية المؤثرة على الإنسان المعاصر.. فيما يتعلق بالمقدس والإلهي.
في ضوء هذه التغيرات، أوضحت الكاتبة كيف أن الدين الرقمي.. لا يمثل ديناً منفصلاً عن الحياة اليومية، بل يشير إلى تداخل مستمر بين الممارسات الرقمية وغير الرقمية؛ فالمؤمن قد يصلي في مكان مادي، ويتعلم الأمور الدينية.. عبر منصة، ويتواصل مع جماعته مادياً – كذلك – ومع غيرهم من المجموعات.. عبر مجموعة رقمية، ويشارك تجربته فيزيقياً، ويكرر المشاركة مرة أخرى عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. قد يبدو ما سبق – للوهلة الأولى – متناقضاً. إلا أن الأمر يستدعي دراسة كيفية امتزاجهما.. داخل الحياة المعاشة للإنسان المعاصر في وقت واحد. وهل سيستمر الحال على ما هو عليه مع الطفرة التكنولوجية الرقمية.
في ضوء ما سبق، نشير إلى أنه.. من الخطأ المنهجي النظر إلى الرقمنة، باعتبارها عملية إحلال؛ أي الرقمي يحل محل التقليدي. الأدق، هو النظر إليها بوصفها عملية إعادة تركيب؛ إذ تتداخل الممارسات القديمة والجديدة، وتتفاوض المؤسسات والأفراد.. حول معنى التكنولوجيا وحدود استخدامها، وتظهر أشكال جديدة من الممارسة، دون أن تختفي الأشكال السابقة بالضرورة.
ومن هنا يمكن أن ننتقل إلى السؤال الأكثر حساسية؛ إذا كان الفضاء الرقمي قد جعل الممارسة الدينية أكثر اتصالاً واستمرارية وتعدداً.. عبر الشبكات والوسائط والمنصات، فما أثر ذلك على الإنسانية اليوم ومستقبلاً؟
وبعد، إذا كان علماء الاجتماع الديني من الأجيال السابقة، يبحثون عن علاقة الدين بالمجتمع والدولة، والمجالين العام والسياسي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم.. يتعلق بعلاقة الدين بالبنية الرقمية، التي تعيد تشكيل المجتمع والإنسان. وبطبيعة الحال علاقاتهما المتنوعة، جذرياً؛ ففي هكذا سياق، يتعرض فيه العقل الديني الإنساني.. لإعادة تشكيل تاريخية بفعل البيئة الرقمية الخوارزمية، وما أطلقنا عليه الذكائية الاصطناعية.. فإن التحدي القادم لسوسيولوجيا الدين، قد لا يكون فقط فهم كيف يستخدم الدين التكنولوجيا، بل فهم كيف أصبحت التكنولوجيا الرقمية والخوارزمية لا مجرد وسيلة، بل عنصراً فاعلاً في تشكيل تجليات ومسارات وخيارات.. التفكير الديني/الممارسة الدينية للإنسان.. في العصر الرقمي.
نقلاً عن «الأهرام»