سمير مرقص
حظي مفهوم المثقف.. بالاهتمام الفكري البالغ؛ إذ ظل دوماً سؤال.. من هو المثقف؟ محل بحث ونقاش؛ خاصة مع كل تحول نوعي يطول المجتمع والدولة على مر العصور. ففي ظل تلك التحولات المتعاقبة، تطور السؤال.. من البحث عن ماهية المثقف، إلى إدراك رسالته ودوره، وموقفه من قضايا السياق الذي يعيش فيه، ومدى قدرته على تأمل وتفسير ونقد.. ما يتعرَّض له العالم من ظواهر وتحديات ومظالم. والأهم، مدى فاعليته في مشاركة مواطنيه همومهم، ومن ثم المساهمة الفاعلة الحية المادية على تغيير الواقع.
في هذا الإطار، تطورت النظرة إلى المثقف.. من باحث عن الحقيقة، أو الحكيم – بالمعنى الفلسفي الإغريقي القديم والذي كان يمثله، بامتياز.. الفيلسوف الشهير في التاريخ: سقراط؛ الذي جسّد، حسب أحد الباحثين، مهام: البحث عن الحقيقة، وتأمل الوجود، وتوجيه أفراد بيئته إلى قيم الحق، والعدل، والجمال، والخير. وفي التراث المصري والعربي، تقاطع دور المثقف المدني مع الدور الديني، وتداخل الديني مع الأخلاقي، واللاهوتي/الفقهي مع الزمني، والمعرفي مع الأخلاقي.
وبحلول عصور النهضة والإصلاح الديني والتنوير، أخذت صورة المثقف تتشكل.. في ضوء تلك العصور؛ بفعل الطباعة، ومؤسسات التنشئة الحديثة، والتأويلات الدينية الإنسانية الحرة، والإبداعات الموسيقية والأدبية، والفنية التشكيلية الكلاسيكية.. التي أسهمت في تجلي ما يمكن تسميته بالمثقف الجنتلمان؛ المعني بالقيم الثقافية النبيلة، والفنون والآداب الرفيعة، وحرية الإبداع.
وبانطلاقة المجال العام، كان للمثقف حضوره اللافت.. من خلال النقاشات التي تتعلق بالمواطنة، والحرية، والعدالة، والمدنية، والتقدم. ثم جاءت الثورة الصناعية.. لتُحدث تحولاً نوعياً كبيراً في مقاربات المثقف السياسية والدينية والاجتماعية، نظراً لما نتج عنها من مستجدات بنيوية مجتمعية واقتصادية. وبفعل الثورات التي انطلقت في القرنين التاسع عشر والعشرين، وما أسفرت عنه من تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية.. كان لها أثرها على البنيتين الطبقية والسلطوية، تطور اهتمام المثقف نوعياً بتلك التحولات، وما ترتب عليها من آثار على البناء الطبقي والسلطة السياسية، وإدراكه للعلاقة الوثيقة – الجدلية – بين إنتاج الأفكار، ودور القوى المجتمعية والمصالح في ذلك.
وفي القرن العشرين، اكتسب مفهوم المثقف دلالات أكثر وضوحاً؛ لا سيما مع التمدد الاستعماري، ونضالات الشعوب.. من أجل الاستقلال والتحرر الوطني، وصعود الأيديولوجيات الشمولية، والحروب الكبرى، وتغول الرأسمالية والاستهلاك في حياة مواطني الكوكب، وتنامي حركات الاحتجاج والإصلاح، ما جعل المثقف يكون موضع مساءلة كبيرة دائمة: هل هو شاهد على عصره، أم فاعل فيه؟ هل يكتفي بتفسير الواقع، أم يتصدى لتغييره؟ وهل ينبغي له أن يكون قريباً من السلطة.. ليؤثر في قراراتها، أم مستقلاً عنها.. كي يحتفظ بحقه في نقدها؟
هكذا تطور دور المثقف؛ من المثقف حامل المعرفة المتأمل، إلى المثقف المُوجِّه، فالمثقف الجنتلمان.. المعني بالقيم الثقافية الرفيعة، مقابل المثقف الجماهيري، ثم المثقف المبشر بالمجتمع الأفضل.. مدنياً وسياسياً، فالمثقف الثوري، والنقدي، والعضوي، والأيديولوجي، والملتزم، والمناضل، والخبير…، إلخ.
ومع دخول البشرية إلى الألفية الثالثة، أو إلى الزمن الرقمي، كان من المنطقي أن يأخذ سؤال المثقف منحى جديداً، ففي زمن الثورة الرقمية – والطفرة التي لحقت بالذكائية الاصطناعية – ومن ثم التبدل الجذري.. في كيفية تشكل وصناعة المعرفة من جهة، والتسارع اللامحدود في تبلور الظواهر الثقافية من جهة أخرى، أصبح من الضروري أن يعاد طرح السؤال التاريخي: من هو المثقف؟ مجدداً.
فلم يعد سؤال.. ماهية المثقف؟ كما كتبنا في مقال سابق؛ أي مثقف في الزمن الرقمي؟ هو ذلك السؤال التقليدي.. المتعلق بدور المثقف في إنتاج الأفكار، أو قدرته على تشكيل الوعي، أو التوجيه المعرفي، وإنما بتمكنه من البقاء فاعلاً.. في بيئة معرفية، تعيد تشكيلها التقنيات الرقمية الذكية في كل لحظة؛ فقد أنهى التحول الرقمي – بدرجة لافتة – الدور الذي كان يلعبه المثقف من جهة، ومسؤولية المؤسسات الثقافية في إنتاج الفكر وتشكيل الوعي والتوجيه المعرفي.. من جهة أخرى. ففي ظل الانتشار غير المسبوق للمنصات الرقمية، وصعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، وتنامي اقتصاد الانتباه، أصبح إنتاج المعرفة عملية موزعة بين ملايين الفاعلين.
كما تحولت الخوارزميات (فلم تعد مجرد آليات تقنية، إلى آليات ذكية.. تعيد قراءة وتحليل عدد لا متناهٍ من البيانات والمعلومات والحقائق والاستخلاصات.. في لحظة خاطفة، وتنظمها تنظيماً منهجياً وتقدم النتائج: المعارف والأفكار والاتجاهات.. للمستخدم: السائل، الباحث، المواطن، في شتى المجالات) إلى لعب دور المثقف والمؤسسات الثقافية.
وفي إطار السؤال المتجدد حول المثقف والمثقفين، أصدرت دار روتليدج – في 2026 – كتاباً بالغ الأهمية عنوانه: «المثقفون في القرن الحادي والعشرين: إعادة تشكيل الأيديولوجيات والنضالات العالمية ضد نخبوية المعرفة». يتضمن الكتاب 48 مساهمة فكرية.. مقدمة من باحثين من جميع أنحاء العالم؛ موزعة على أربعة أقسام رئيسية، فيما يقرب من 300 صفحة. تحمل الأقسام الأربعة العناوين التالية؛ القسم الأول: الأكاديمية بوصفها أيديولوجيا مضادة للأكاديمية: نحو إعادة تشكيل المتاهة النيوليبرالية. القسم الثاني: خريطة عامة (كارتوجرافيا) للقرن الحادي والعشرين؛ المثقفون ضد حضارة المعرفة. القسم الثالث: منعطف نقدي.. في مواجهة غطرسة العلوم الاجتماعية والإنسانيات؛ القوة التقويضية للعمل الجماعي. القسم الرابع: عصر جديد لجهد المثقفين: بين التحولات التاريخية والنضالات العالمية.
تعكس المطالعة الأولية لعناوين الكتاب.. زخماً فكرياً مبتكراً، يشتبك مع العديد من الإشكاليات مثل؛ العلاقة بين الأكاديمية وأيديولوجيتها المغلقة.. التي تُخدم على متطلبات النيوليبرالية، ومدى استقلال إنتاج المعرفة عن المنظومة النيوليبرالية، كذلك التناقض بين اتساع إنتاج المعرفة.. واحتكار تداولها من ناحية، و«نخبنيتها» من ناحية أخرى، ومساءلة نزعة الاستعلاء.. التي قد تتسلل إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية.
وأخيراً يفتح الحديث عن نضالات المثقفين في العصر الرقمي.. آفاقاً جديدة حول النضالات العالمية، التي يجب أن يخوضها المثقفون. والأدوار التي يجب أن يضطلعوا بها.. في زمني الميتا-حداثة والحداثة الرقمية، التي ستنقل المثقف من كونه منتجاً للأفكار، ومتأملاً ومفسراً للواقع، ومبشراً لأيديولوجيته و…إلى أن يكون فاعلاً مع مواطنيه، وشريكاً لهم في مواجهة تحديات العصر، وتغيير الواقع. ومن ثم، تمثل هذه العناوين مدخلاً لقراءة مترابطة.. لمساهمات الكتاب المبدعة والممتعة، نستعرضها في مقال الأسبوع القادم.
نقلاً عن «الأهرام»