عبدالله عبدالسلام
في واقعٍ سمته الأساسية غلاء المعيشة، والأزمات المالية، وتراجُع الأمان الاقتصادي، يفقد الإنسان قيمة الشعور بالذات. يعيش في حالة تأهب، وقلق دائم من المستقبل القريب والبعيد. حتى الأمور التي تراضى الناس على أنها تحقق الثقة بالنفس والقيمة؛ كالحصول على وظيفة أو ترقية، أو الزواج، أو غيرها.. سرعان ما تترافق معها المشاكل، إلى الدرجة التي تجعلنا ننسى الجانب الإيجابي في حياتنا.
وقد صك أحد علماء النفس الأمريكيين.. مصطلحاً، يعبر ببلاغة عن تلك الحالة؛ وهو: «مغالطة الوصول». أي أن الشخص الذي حقق «إنجازات اجتماعية»؛ كالوظيفة والزواج، وكان يعتقد أنه بمجرد الوصول إلى هذا الهدف.. سيصنع السعادة، لن يجد – للأسف – سوى أمل زائف، أو وهم؛ حيث تنتظره صعوبات أكبر، وأكثر تعقيداً.
طبقاً لهذه الرؤية، فإن الحاضر – بما فيه من أزمات اجتماعية واقتصادية – ليس مدعاة للفخر، مهما حاول الإنسان أن يجعله صديقاً له. فالمستقبل – الذي هو في علم الغيب – هو ابن الحاضر.. لذا ليس متوقعاً أن يكون أجمل وأسعد.
ما الحل إذن؟
ترى الدكتورة ماريسا فرانكو – أستاذة علم النفس في جامعة «ميريلاند» الأمريكية – أن الحل هو التوقف عن محاولة تغيير واقعنا، الذي تتداخل فيه عوامل كثيرة.. ليست جميعها بأيدينا. والبدء في تغيير الماضي. وتقول – في دراسة نشرتها قبل أيام، في موقع «علم النفس اليوم» – إن الذاكرة.. قاعدة بيانات لتقدير الذات. وتوضح فكرتها قائلة: «كثير منا لديهم ذكريات سيئة، أو على الأقل غير جيدة. فما هو تقدير الذات الذي سينتج عنها.. إذا استعدناها مرة أخرى؟»
ترد الباحثة.. بإيراد المثال التالي..
وأنت طفل، كان أحد الوالدين يصرخ عليك بشدة، لأنك أخطأت. بالتأكيد، لابد أنك شعرت آنذاك بخوف شديد. عندما تسترجع تلك الذكرى، تشعر أنك في أمان الآن، وأنه لا خطر يتهددك. بل أحياناً تقوم بإحداث تغيير على ما حدث؛ كأن تتصور أنك حظيت بمسامحة الأب ورضاه.. هذا يسمى في علم النفس: تعديل الذكريات أو البناء عليها.
وقد أجرى الباحثون دراسات عديدة.. على مجموعات من البشر، خضعوا لتجربة «تعديل الذكريات»؛ أي أنهم تصوروا أحداثاً أكثر أماناً وسعادة.. من تلك التي حدثت لهم في الماضي. أثبتت النتائج أن هؤلاء الأشخاص.. لم يحسوا فقط بتحسن حالاتهم النفسية، وانخفاض مستويات القلق، بل أيضاً زاد مستوى تقدير ذواتهم.
الفكرة التي تقوم عليها النظرية – في اعتقادي – أن الإنسان لن يستطيع أن يغير واقعه.. في ظل ظروف خارجة عن إرادته، تتسبب في فقدان ثقته بنفسه، وبمن حوله. المستقبل أيضاً لا يمكن تغييره. ببساطة، لأنه لم يحدث أصلاً، وليس لدينا فكرة عن ملامحه.
يبقى الماضي.. هو الذي نمتلكه حصرياً، ولا يستطيع أحد أن ينازعنا في ملكيته. هذا الماضي، أشبه بعجينة.. يمكننا أن نعيد تشكيلها كما نريد، حتى نحقق سعادة نفسية، وثقة بالذات.
قد يختلف كثيرون مع هذا التوجه، لكنه محاولة للبحث عن السعادة.. في عالم واقعي، يسرقها، أو يحرمنا منها. لذا نتوجه إلى الماضي.. حيث الكنز الذي نمتلكه، ونستطيع أن نعيد تشكيله كما نشاء.
نقلاً عن «المصري اليوم»