محمود محيي الدين
بينما كانت وفود الدول الأعضاء في الأمم المتحدة تحتشد للاجتماعات السياسية رفيعة المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك (18-28 سبتمبر الماضي)، تعالت النداءات لاستنقاذ العمل الدولي متعدد الأطراف.. مما أصابه من وهنٍ في مؤسساته، وتدهورٍ في أدائه، وعجزٍ في الثقة بين قياداته.
لم يعتقد – إلا من تعطل به زمنه – أن ما يسمى «النظام الدولي».. ما زال قائماً على عمُده؛ انخداعاً بمظاهر لبقايا الحياة.. كحال الجهات البيروقراطية المتهالكة، يحسبها الناظر إليها.. تعج بالنشاط، بتدفق الداخلين إليها والخارجين منها. وهي – في الواقع – خاوية على عروشها؛ لا تحسم أمراً، ولا تنصف مظلوماً، ولا تردع ظالماً.
حذَّرت أصوات عاقلة.. مما صار إليه هذا الوضع، فلم يستمع لتحذيرها أحد. وقد سيقت الحجج والآراء – المدعومة بالمنطق والأدلة – عن أن ما كان يصلح.. باعتبار موازين القوى في عام 1945، لم يعد صالحاً بحال.. مع صعود قوى بازغة في شرق العالم وجنوبه، لدول كانت مستضعفة، أو مسلوبة الإرادة.. مع بدء عمل المنظمة الأممية.
وقد استدعى الوضع الراهن.. بروز مبادرات للإصلاح، كان أحدثها ما نوه عنها مقال نشرته صحيفة «الفاينانشال تايمز»، في 20 سبتمبر الماضي، بقلم رئيس البرازيل إيناسيو لولا دي سيلفا، وأنتونيو كوستا رئيس المجلس الأوروبي، وويليام روتو رئيس كينيا، ومارك كارني، رئيس وزراء كندا. يقول القادة الأربعة.. إن اقتصاد العالم وتجارته، وتواصله من خلال الإنترنت.. أصبح أكثر تشابكاً وتداخلاً؛ ولكن التطورات الجيوسياسية تتجه إلى منحى آخر من الاستقطاب، واستعادة مفاهيم نطاقات القوى المتصارعة، وارتفاع الإنفاق العسكري.. لما يقترب من 3 تريليونات دولار، وتأجج الصراعات المسلحة؛ إذ شهدتها 35 دولة حول العالم.. على نحو غير مسبوق منذ أكثر من 80 سنة. يؤكد هذا أن النظام الدولي متعدد الأطراف قد سقط، فلم يعد مُعبِّراً عن حقائق الوضع الراهن، ومن أهمها تغيُّر موازين القوى.
ولكن هذا لا يعني أن الحاجة إلى نظام فعّال وكفء للتعاون الدولي.. قد تبددت، فما يُعرف بالسلع والمنافع العامة العالمية.. في طفرات من الارتفاع. ومن أمثلتها، ما ساقه القادة الأربعة.. من تفاقم لأزمة المناخ، وتطورات الذكاء الاصطناعي المتسارعة، ومهددات قد تستجد لجوائح وأوبئة، وصدمات مزلزلة.. قد تُحدثها أزمات مالية؛ ناهيك بما طرأ على الساحة الدولية، من مخاطر تتعرض لها مسارات الملاحة الدولية؛ خصوصاً عبر المضايق، على النحو المشهود في مضيق هرمز. وكلها من التحديات التي تنوء بحملها أي دولة منفردة.
ولهذا دعا القادة الأربعة.. للمشاركة في مبادرة دولية جديدة تحت اسم «شركاء من أجل التعددية»، مؤكدين أنها ليست كتلة جديدة، ولا بيروقراطية دولية جديدة، ولكن هدفها «إيجاد إطار مرن منفتح لدول من أقاليم مختلفة وتيارات سياسية متنوعة، على أن تكون على استعداد للعمل عبر الانقسامات القائمة، لتبني تحالفات من أجل الإصلاح، وتتخذ إجراءات عملية على أسس من المبادئ المشتركة».
وقد تعهد المبادرون الأربعة.. بأن تكون أولويتهم إصلاح الأمم المتحدة، ومؤسسات دولية أخرى، حتى يجعلوها أكثر «تمثيلاً وشرعية وفاعلية ومصداقية». كما يستهدفون بعملهم التنسيق بين المنظمات الإقليمية والإسهام في السلم والأمن الدوليين، وتحسين الحوكمة الاقتصادية، والاستعداد المشترك للتصدي للتحديات المتنوعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتغيرات المناخ، وغيرهما.
وفي هذا كله، يؤكد أصحاب المبادرة تمسكهم بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة.. التي اعتبروها غير قابلة للتفاوض؛ ومنها المساواة بين الدول ذات السيادة، وتسوية المنازعات سلمياً، وحقوق الإنسان، والحريات الأساسية، والتنمية المستدامة. لكنهم أكدوا ضرورة إعادة اكتشاف مزايا العمل الجماعي، وألا تصبح المنافسة مساراً للمواجهة ولا للصراع.
يمكن اعتبار هذه المبادرة.. مندرجة في إطار من البرامجية المبدئية؛ فهي تتخلص من جدلية بائسة، للاختيار بين بقايا نظام ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أو التخلي عنه برمته.. إلى ضرورت حسم الاختيار بين الاستمرار نحو السقوط في هاوية الاستقطاب والتشرذم والصراعات بين القوى التقليدية والقوى البازغة، وبين تجديد التعاون الدولي وتعزيز التمسك بالقانون والنظام في عالم متغير.
إذا كان هذا كله يدور في إطار المستوى العالمي.. لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، اتقاءً لمزيد من شرور تدهور العلاقات الدولية والانخراط في صراعات، فهناك مستويات ثلاثة أخرى لا تقل أهمية؛ إذ ترى في المستوى الثاني إعادة لاكتشاف المستوى الإقليمي.. بين نضج تجربة مجموعة دول «الآسيان»، ومحاولات إعادة تنظيم البيت الأوروبي، وطموحات جامحة بآمال كبيرة لإفريقيا.. عكستها فعاليات منتدى «إفريقيا التي لا يمكن إيقافها»، التي تركز على التجارة والاستثمار والمشاريع المبتكرة الناشئة في القارة السمراء.
كما أن هناك في المستوى الثالث.. مراجعات على مستوى الدولة الوطنية؛ فيما يتعلق بدور الحكومة ونشاط السوق، في إطار من تحليل لكفاءة المؤسسات والتنسيق بين السياسات، وإيجاد منظومة جديدة لقياس الأداء لا تتوقف عند نمو الناتج المحلي الإجمالي؛ بل تتجاوزه لمؤشرات عن التنمية البشرية والاجتماعية، والحفاظ على البيئة والثروة الطبيعية. وقد أعدت الأمم المتحدة إطاراً جديداً للمؤشرات يشبه لوحة مفاتيح السيارة في متابعتها لسرعتها وقياسها لمتانتها وسلامة محركها، لكنه يتطلب قاعدة بيانات ومعلومات سخية محدثة.
وأخيراً، وحتماً ليس آخراً، هناك ما يتعلق بالمستوى المحلي.. الذي تبدأ فيه كل الرؤى والمشاريع، وتنتهي عنده آثار كل السياسات والمبادرات. وأن الأجدى، هو الحديث عن نهج يعكس أولويات عموم الناس وطموحاتهم.. بتوطين للتنمية المستدامة. وفي هذا تفاصيل يوضحها مقال قادم.
نقلاً عن «الشرق الأوسط»