عمار علي حسن
رأيت مقطع فيديو.. لفرقة أطفال من أصحاب الهمم (أو ذوي القدرات الخاصة) يغنون في محطة مترو الشهداء، وقد تجمَّع الناس حولهم، ورددوا معهم فرحين.. أغنية «والله براوة»، للسيدة نجاة الصغيرة. الفيديو رأيته على موقع اسمه «حقوق الإنسان الثقافية»، وعليه اسم وزارة الثقافة وشعار النسر، وهنا أقول إنه جهد جميل مشكور، وهذه والله تجربة غاية في الروعة والجمال. لكن لا بد من التنبيه إلى أن حقوق الإنسان الثقافية.. لها الكثير من الجوانب والتجليات والتحديات، وتحتاج أولاً إلى وجود سلطة تؤمن بقيمة الثقافة، ولا تجزع منها. لا تتعامل معها باعتبارها مجرد قلادة زينة، ثم تغلق أو تضيِّق.. أهم الطرق المؤدية إلى الثقافة.. وهو التعليم، أو تحرم المجتمع المدني أو الأهلي.. من أداء دوره الثقافي.
في الحقيقة، تبدو الثقافة الآن – على أهميتها – معزولة، أو يراد لها.. أن تكون كذلك؛ فُتنزع منها أدوارها الحقيقية.. الرامية إلى تعميق إدراك الفرد لذاته، ومجتمعه، والعالم حوله. بل الكون كله.. عبر نشر المعرفة والوعي، وتعزيز القيم الإيجابية.. المطلوبة في البناء والنماء، وتبصير الناس بالجمال.. في نفوسهم وحولهم، والتعبير الفياض.. عن أشواقهم إلى البهجة والدهشة، والحرية والكرامة، والكفاية والعدالة، والنهوض والتقدم والانتماء.
هذا النزع الإجباري – وربما الاختياري أحياناً – ساهمت فيه عدة جهات أو جبهات؛ إذ لا يخفى على الأفهام.. أن النظر إلى الثقافة – فيما قبل – كان لا يتعدى كونها مجرد «قلادة زينة»؛ توضع في أعناق الخطابات والتدابير الأخرى.. سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية. لكن حالها الآن تدهور – بشكل واضح وفاضخ – ليصبح عند كثيرين.. معوقاً لا بد من تحييده، ووضعه في الهامش البارد، وقد ينزلق الأمر إلى محاربته.. بلا هوادة، ولا تردد.
وافتقادنا إلى تبنِّي مشروع وطني جامع.. ساهم في التأثير سلباً على مكانة الثقافة، ودورها؛ إذ أن أي مشروع من هذا القبيل.. لابد أن تقع الثقافة في قلبه، شعبية كانت أو نخبوية؛ فهي الدم الذي يسري في أوصاله، وهي الهواء الذي تتنفسه رئته الواسعة، التي يتعالق ويتعانق فيها أكثر من مجال، بحكم شمول مثل هذا المشروع وتكامله؛ سواء صيغ على هيئة استراتيجية، أو كان خطة متوسطة الأمد. وزاد من وطأة هذه الآفة.. تقديم المباني على المعاني، والخشن على الناعم، والصلب على اللين؛ في ظل تبدد إدراك أهمية الثقافة.. في صناعة دور الدولة المصرية في المجال الإقليمي، والمحيط العالمي، وهي مسألة تتناقض مع طبيعة الأشياء، ومع حكمة التاريخ، وما يستوجبه التقاط صورة حقيقية.. نلقيها في عيون الآخرين، فيعرفون عنا ما هو أفضل، وتلقف الخيط الذي نتلمسه.. كي تكون لنا مكانة – على الأقل في العالم العربي – مثلما حدث في عقود سابقة.
على الوجه الآخر،هناك ضعف إدراك المجتمع نفسه.. لقيمة الثقافة، في ضوء اعتقاد الأغلبية الكاسحة.. أن التعلم والتثقف، أو تحصيل المعرفة العميقة، أمر يمكن تأجيله أو تجنيبه.. لحساب الانشغال بتحسين الأحوال الاقتصادية، أو إنعاش الأحوال السياسية، أو تلافي الأخطار المباشرة.. التي تحدق بالمجتمع. فاختيار أغلب الناس.. ذاهب إلى ما يملأ البطون، وليس إلى ما يغذي العقول. والذين يطلبون في السياسة انفتاحاً أو تحرراً، يعتقدون أن هذه مسألة ترتبط أكثر بالدستور والقانون، والإجراءات والتدابير الإدارية والتنظيمية؛ أكثر من ارتباطها بالثقافة.. أياً كان خطابها أو مضمونها وشكلها ونوعها.
من ناحية ثالثة، يفتقر مثقفون كُثُر.. إلى إدراك أهمية دورهم في صناعة النهضة الواجبة، وميلهم إلى الاكتفاء بصناعة الجمال، والتعبير عن مكنون النفوس المعذبة.. من تأثير سياقات اجتماعية مشبعة بالمشكلات والمعضلات الحياتية.. التي تطال المثقفين أنفسهم، وتطاردهم أينما ذهبوا، وتصيب أغلبهم بالشعور العام بالضعة، أو الخوف من المساءلة، أو الحرمان من المكاسب الخفيفة الطفيفة.. التي يحصلون عليها، أو على الأقل الفائدة التي يجنونها.. إن آثروا الصمت والهروب.. توخياً للحذر، وطلباً للسلامة.
وما زاد الطين بلة، أن بعض المثقفين لا يعتبرون الثقافة.. موقفاً بالضرورة، إنما مجرد عملية إبداع معزولة، أو آلية لتحقيق مجد شخصي، أو شهرة محدودة، أو تحصيل مال شحيح.. من نشر كتب، أو اقتناص جوائز، أو نيل عطايا ومكافآت صغيرة. وإذا كان رفض المثقف.. لأن يصبح بوقاً لأيديولوجيا، أو أداة في يد صاحب مال وسطوة، أو نازلاً على إرادة جمهور.. لكسب رضاه بأي طريقة، هو أمر مفهوم ومطلوب بالطبع، فإن ما لا يمكن فهمه.. هو توهم المثقف أنه منبت الصلة بواقعه، أو غريب عن أهله، وأن ما في الواقع وعند الأهل، لا يصلح أن يكون مادة جيدة، يمكن التعامل معها بشكل فني أو أدبي.
لا يعني هذا غياباً تاماً لوجود مثقفين.. يكافحون من أجل القيام بأدوراهم الحقيقية؛ التي تتعامل مع الثقافة.. على أنها مسألة نقدية، ومنحازة للتقدم، ومعبرة عن الناس، ومخلصة لصناعة الجمال والوعي. فأمثال هؤلاء لا يخلو منهم وادينا الطيب، ويعضون بالنواجذ على قضيتهم أو موقفهم، لكن الضغوط عليهم تشتد، ليس من المسؤول، ولا الجماعات المتطرفة فحسب، بل أيضاً من مثقفين آخرين.. لأسباب يطول شرحها.
نقلاً عن «المصري اليوم»