عبدالله عبدالسلام
سياسة بريطانيا الخارجية.. تتميز بالعقلانية والبراجماتية، وتعظيم مصالحها الوطنية. لذا، عندما نتعامل مع الخطوة الأخيرة.. التي اتخذتها حكومة حزب العمال تجاه إسرائيل، من المهم ألا نُنحي العقلانية جانباً، ونستخدم لغة العواطف والتاريخ فقط.. في تقييم هذه الخطوة. التهويل، أو التقليل، أو بناء أحلام وتوقعات.. ليس مُفيداً.
الثلاثاء الماضي، فرض إد ميليباند – وزير الخارجية البريطاني – حظراً على استيراد السلع التي تُنتجها المستوطنات اليهودية، وعقوبات على الشركات.. الداعمة لهذه المستوطنات. القيمة السياسية والرمزية لهذه القرارات.. كبيرة. لكن الأثر العملي الاقتصادي.. محدود للغاية. الألفاظ التي استخدمها ميليباند في بيانه.. عظيمة. قال: إن ما يقوم به المستوطنون في الضفة الغربية.. تطهير عرقي. اتهم الحكومة الإسرائيلية.. بغض الطرف عن هذه الجرائم. والأسوأ.. أن أعضاء فيها يدعون – علناً – للتهجير القسري للفلسطينيين. وصف الأوضاع الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل غير قانوني، بأنها «وصمة عار في ضمير العالم وبريطانيا».
سياسياً، هذه هي التصريحات الأشد، التي تتخذها حكومة بريطانية منذ عقود.. ضد إسرائيل. أهمية خطوة لندن، أنه جرى تنسيقها مع فرنسا وكندا، وعدة دول أوروبية، مما يمنحها صبغة دولية، ويجعلها رسالة حازمة.. ضد الاستيطان. لكن الأثر الاقتصادي المباشر لهذه الخطوة.. محدود للغاية. حجم التجارة البريطانية مع المستوطنات يبلغ 38 مليون جنيه إسترليني.. من إجمالي 6 مليارات، هو قيمة التبادل التجاري البريطاني الإسرائيلي. ميليباند أكد.. أن تبادل المعلومات الاستخباراتية والأمنية مع إسرائيل متواصل. والعلاقات العسكرية لن تتأثر.
الأخطر، أن التطبيق العلمي لهذه القرارات.. ليس واضحاً. هناك اتفاقية تجارة بين البلدين، تمنح السلع الإسرائيلية معاملة تفضيلية. شركات إسرائيلية وبريطانية.. تتحايل من أجل أن تتمتع منتجات المستوطنات بنفس المعاملة. يُعاد وضع علامات على هذه المنتجات، ليتم تصنيفها على أنها قادمة من إسرائيل، وليس الأراضي المحتلة. يثور أيضاً تساؤل: هل الحظر البريطاني الجديد سيسري على قطاعات التمويل، والتأمين، والشركات، والموزعون الكبار.. الذين يتعاملون مع هذه المستوطنات؟ أم لا؟
لا أقلل من أهمية الخطوة البريطانية. إنها تحول سياسي وقانوني.. تاريخي ونوعي، في أدبيات الدبلوماسية الغربية. الخارجية البريطانية مشهورة.. بأنها تبتكر صيغاً وتعبيرات جديدة؛ لإدانة إسرائيل دبلوماسياً، دون أن تُفضي إلى أي إجراء ملموس. ميليباند – الذي ينتمي لأسرة يهودية – كان واضحاً وجريئاً. لكن خطوته لا تستهدف إسرائيل.. بقدر ما تستهدف حكومة نتنياهو المتطرفة.
هل يمكن مقارنة هذه الخطوة، بوعد بلفور – الصادر عام 1917 – الذي منح شرعية دولية.. لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين؟. أعتقد أن في الأمر مبالغة غير منطقية. وعد بلفور كان تحولاً استراتيجياً بعيد المدى.. غير خريطة الشرق الأوسط للأبد، وكان الأساس للصراع المستمر حتى اليوم. بريطانيا – عندما أصدرته – كانت القوة الاستعمارية الأكبر، التي يمكنها إعادة تشكيل المنطقة بمفردها. الآن، هي قوة من الدرجة الثانية.. وربما الثالثة، لا تستطيع فعل شيء.. دون موافقة أمريكا. كما أن خطوتها الأخيرة، تستهدف «سلوكاً» إسرائيلياً محدداً، لكنها لا تمس شرعية وجود إسرائيل.
أعتقد أن تصريح وزير المالية الإسرائيلي المتطرف سموتريتش: «العقوبات البريطانية لن تغير مليمتراً واحداً.. من واقع الاستيطان»، هو الأقرب للواقع.
نقلاً عن «المصري اليوم»