أحمد الجمال
من نكد الدهر على بعض الأمم، أن تبقى مرتهنة لملفات.. ظلت مفتوحة في مسيرتها عبر الحقب، وتعرف عنوان الملف فقط.. ولا تتعداه للوفاء بما فيه من متطلبات، أو للإجابة عما فيه من أسئلة.
والأخطر والأنكى، أن تبقى عاجزة عن تهيئة الظروف اللازمة.. للشروع في إغلاق الملفات، إن لم يكن في حياتها الراهنة؛ فلتمكين أجيال قادمة من استكمال المهمة. وأظن أن أمتنا لديها ملفات بقيت مفتوحة.. في معظم مجالات الحياة، بل والأكثر نكاية، هو الإصرار على عدم الاقتناع بأن ملفاً ما.. قد قرئ ودرس ونوقش، وتبلورت نتائجه، ولم يبق إلا البناء عليه.. واستخلاص دروسه.
وها نحن نعيد فتح ملف الهوية.. في مؤتمر ثقافي تقيمه مكتبة الإسكندرية بعد أسبوع، ليعاد إنتاج نقاشات وصدامات.. بين مفاهيم مختلفة للهوية، وبين مدارس ومشارب فكرية متعددة، كل منها يظن أن ما يعتقده ويدعو إليه.. هو الصحيح.
ومع الهوية، فما زالت ملفات الخطاب الدعوي (المشهور بالديني)، والخطاب السياسي والإعلامي.. مفتوحة. ثم ملفات الثنائيات – التي يصمم البعض على جعلها متصادمة، نافية لبعضها البعض – مثل الديني والعلماني، والأصالة والمعاصرة، وأسبقية التحتي على الفوقي.. أو العكس، وملفات التعليم وفلسفته ومناهجه، والبحث العلمي وأولوياته.. وهلم جرا.
وفي ظني، أن ملف العبودية – سواء كانت إجبارية أو مختارة – هو من أهم الملفات المفتوحة، التي نعرف عنوانها، ولا نتجاوزه.. إلى محتوياته وإشكالياته، وقضاياه، وعلاقته بالحتميات الجغرافية والتاريخية، أو بمراحل الاضمحلال. وقد صادفت مقالاً مطولاً – كتبه مفكر فرنسي اسمه «إيتيان دي لابويسيه»، وُلد عام 1530 ميلادية – وما كان لي أن أقرأه إلا بالترجمة العربية.. التي قام بها – باقتدار فذ – المفكر المصري والعالم والمعالج النفسي الدكتور مصطفى صفوان، الذي وُلد في مصر عام 1921، وعاش في الإسكندرية، وتخرج في جامعتها – التي كانت تسمى آنذاك عام 1934 – «جامعة فاروق الأول»، وسافر لفرنسا أواخر الأربعينيات.. لاستكمال دراسته العليا، ثم عاد إلى مصر وعمل بالجامعة إلى عام 1959، ثم هاجر لفرنسا.. إثر واقعة نقاش حاد بينه وبين حرس الجامعة. وظل في فرنسا حتى توفي عام 2020.. عن تسعة وتسعين عاماً، وكان من أبرز علماء الطب النفسي، وأمهر المعالجين. وله مؤلفات عديدة وترجمات.. من أبرزها كتابه «لماذا العرب ليسوا أحراراً؟»، وكتاب «نحو عالم عربي مختلف».
أما مقال «العبودبة المختارة» فقد ترجمه مصطفى صفوان لسلسلة «كتاب الدوحة» – الذي تصدره «مجلة الدوحة»، ويوزع مجاناً مع العدد – وقد وُزع مع العدد رقم 77 من المجلة في مارس 2014، وكتب له مقدمة ضافية محمد الرميحي.
والحقيقة، أن محاولة انتقاء سطور من مقال «العبودية المختارة»؛ لأقتبسها وأضمنها في هذا المقال.. تُعد في نظري غبناً صارخاً للنص الأصلي. ومع ذلك – ولأجل ضيق المساحة – أنقل بعض النصوص التي كتبها «إيتيان دى لابويسيه»: «لست أبتغي شيئاً.. إلا أن أفهم كيف أمكن هذا العدد من الناس.. من البلدان.. من المدن.. أن يحتملوا أحياناً طاغية واحداً، لا يملك من السلطان.. إلا ما أعطوه، ولا من القدرة إلا على الأذى.. إلا بقدر احتمالهم الأذى منه، ولا كان يستطيع إنزال الشر بهم.. لولا إيثارهم الصبر عليه بدل مواجهته، إنه لأمر جلل حقاً.. أن نرى الملايين من البشر يخدمون في بؤس، وقد غُلَّت أعناقهم دون، أن ترغمهم على ذلك قوة أكبر؛ بل هم – فيما يبدو – وقد سحرهم، وأخذ بألبابهم.. مجرد الاسم الذي ينفرد به البعض. كان أولى بهم ألا يخشوا جبروته، فليس معه غيره. ولا أن يعشقوا صفاته، فما يرون منه.. إلا خلوّه من الإنسانية ووحشيته. إن ضعفنا نحن البشر.. كثيراً ما يفرض علينا طاعة القوةن ونحن محتاجون إلى وضع الرجاء.. في الأرجاء، ما دمنا لا نملك – دائماً – أن نكون الأقوى. فلو أن أمة أجبرت بقوة الحرب.. على أن تخدم واحداً، لما وجب اندهاش لخادميَّتِها، بل الرثاء لنازلتها»..
إنه مقال جدير بالقراءة، رغم أنه كُتب منذ نحو خمسمائة عام.
نقلاً عن «الأهرام»