تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

أزمات الفكر والحزب الليبرالي العربي

M.Adam
نبيل عبدالفتاح

نبيل عبدالفتاح

الأحزاب السياسية المعارضة، والسلطوية العربية.. تبدو وكأنها في حالة من العطالة السياسية، ولم يعد لديها ما تقدمه، سوى نشر البيانات السياسية بين الحين والآخر.. على الفضاء الافتراضي، أو بعض من التظاهرات – المسموح بها أمنياً – في تونس والمغرب، وبعض الوقفات الاحتجاجية الرمزية.. في بعض المدن؛ كبيروت وغيرها.. في مشاهد تدفع – بين الحين والآخر – إلى التساؤل عن سر هذا التراجع المستمر للأحزاب في المجال العام، ولامبالاة بعض الأجيال الشابة بها، وبأفكارها السياسية ؟! 

المشكلات ليست جديدة وبعضها السلطوية والمعارضات السياسية العربية – أياً كانت أيديولوجياتها الأرثوذكسية وصراطاتها المستقيمة – قديمة ومتراكمة تاريخياً، وبعضها جديدة! ترجع في بعض هذه الأحزاب.. شبه الليبرالية، والجماعات الإسلامية الأصولية السياسية.. إلى مرحلة الاحتلال الاستعماري الأوروبي، وامتد بعضها إلى ما بعد الاستقلال، وتجلت آنذاك ذات سمت بنيوي.. في أنسجة خطاباتها المؤدلجة، ذات النزعة الشعاراتية. وفي بنائها التنظيمي الداخلي – باستثناء تنظيم الإخوان المسلمين وبعض الأحزاب الشيوعية، واستراتيجيات التجنيد داخلها، وضوابطه الصارمة – وتجلت الأزمة الاتصالية للأحزاب.. مع الفئات الاجتماعية الشعبية العريضة؛ حيث سيطرت آنذاك اللغة السياسية والدينية الخشبية، التي تستخدمها بعض الأحزاب شبه الليبرالية في خطاباتها العامة السائلة.. باستثناء مطالبها بالاستقلال، أو نقد الإسلاميين للتغريب.. في عمومياته وشعاراته. وغياب دراسات للواقع الموضوعي، والتحولات الاجتماعية والثقافية.. قبل وبعد الاستقلال. 

كان الفكر شبه الليبرالي مطروحاً في عمومياته السائلة، وغير متواشج ومتداخل مع أصوله الفلسفية، وتطوراتها.. في ظل التطورات في بنية الرأسمالية الغربية، وأنظمتها السياسية. كان الاستثناء المصري – على سبيل المثال – متمثلاً في بعض الجماعة القانونية – من القضاة وأساتذة القانون وبعض المحامين – لأن الجماعة القانونية كانت تتلقى دراساتها في مدرسة الحقوق الفرنسية، ثم كلية الحقوق، وحركة البعثات إلى فرنسا. ومن ثم تراجعت أدوار هذه الأحزاب شبه الليبرالية – بعد الاستقلال – لعديد الأسباب البنيوية، لأن ثمة جذوراً لهذه الأزمات. 

من ثم يمكن لنا إبداء بعض الملاحظات على الأحزاب شبه الليبرالية فيما يلي:

الأحزاب السياسية المعارضة.. منذ الاستقلال، واجهت – ولا تزال – مشكلات معقدة؛ بعضها هيكلي في بنائها التنظيمي وعلاقاتها الهيراركية، وأخرى مرتبطة بطبيعة النظم السلطوية الشعبوية، ومحاصرة ومطاردة المعارضات.. أمنياً وقانونياً؛ في ظل ظاهرة موت السياسة عربياً، وأزمات نظم الشرعية السياسية، ونفي التعددية السياسية والأيديولوجية.. لصالح الأحزاب السلطوية الواحدية، ذات الأدوار التعبوية، وتأميم الصراعات الاجتماعية.. لصالح مفهوم تحالف القوى والطبقات الاجتماعية. 

لا شك في أن أيديولوجيات الأمم الآخذة في النمو.. استطاعت – عبر سياسة التعبئة الاجتماعية – أن تحشد الطبقات الاجتماعية العمالية والفلاحية والوسطى الصغيرة والوسطى-الوسطى؛ من خلال سياسات التعليم، والعمل، والصحة والتأمينات الاجتماعية؛ وهو ما أثر على أحزاب المعارضة المحجوبة عنها الشرعية، وذلك لما يلي: الأحزاب الليبرالية كانت أسيرة تجربة وميراث المرحلة شبه الليبرالية، التي تعتبرها مرحلة «ذهبية» في تطور مصر سياسياً وثقافياً. ومن أكبر مشكلاتها البنيوية.. أنها لم تستطع أن تجدد فكرها السياسي، وبرامجها الاقتصادية والاجتماعية، وتحدد معالم القوى الاجتماعية التي تمثلها، وتعبِّر عن مصالحها في الحياة السياسية.. في ظل التعددية المقيدة؛ لأنها تسعى إلى التعبير والتمثيل لمصطلح «الشعب».. الغامض اجتماعياً، واستمرارية مفهوم القوى الاجتماعية المتعددة.. داخل حزب الوفد قبل 1952 – تحت شعار الاستقلال والدستور – مثلها في ذلك مثل أحزاب السلطة؛ من الاتحاد القومي، والاتحاد الاشتراكي العربي، وحزب الوسط، ثم الحزب الوطني الديمقراطي.. في عهدي السادات ومبارك. من هنا كان التنظيم الحزبي يتسم بالهشاشة التنظيمية، وسيطرة بعض رموز العائلات شبه الإقطاعية.. من باشوات وباكوات ما قبل نظام يوليو 1952، وبعض رجال الأعمال الجدد، الصاعدين من قلب نظام يوليو، وبعض اختلالاته وفساداته مع الانفتاح.

الميوعة في التركيبة الاجتماعية في الوفد – وغيره من الأحزاب الليبرالية – أفقدت هذه الأحزاب التمايز الفكري والسياسي، والقاعدي/الاجتماعي.. عن أحزاب السلطة الحاكمة. والأخطر.. عدم تجديدها فكرياً، ومتابعة التطورات الفلسفية والسياسية، وفي الفكر الاجتماعي لليبرالية الغربية، وأيضاً الرأسمالية.. وتحولاتها إلى النيوليبرالية عالمياً، وهو ما كانت – ولا تزال – تأخذ به الأنظمة السياسية السلطوية والشعبوية.

الفكر السياسي الليبرالي المصري، والعربي.. تأثر سلبياً في عالم هيمنة الأيديولوجيات الكبرى.. في أثناء الحرب الباردة؛ لأنه كان محظوراً كأحزاب، ومحاصراً كفكر سياسي، وجزء من نفي السلطة السياسية للمرحلة شبه الليبرالية، والهجوم عليها، ونقدها اللاموضوعي، وتشويهها في مناهج التعليم، وفي جهاز الدولة الأيديولوجي، وهيمنة أيديولوجيا الاشتراكية العربية، والتحرُّر الوطني، ونقد الأنظمة الرأسمالية الغربية؛ من هنا، لم يتجدد الفكر الليبرالي – مصرياً وعربياً – مع التحولات الكبرى الفلسفية والسياسية الغربية، وفي النظم السياسية في أثناء الحرب الباردة وما بعدها.

عقب تحوُّل بعض الأنظمة السياسية العربية.. إلى سياسات الباب المفتوح اقتصادياً، والمغلق سياسياً، سيطر الفكر المالي في التحليل الاقتصادي.. من بعض التكنوقراط، وأساتذة المالية العامة والاقتصاد.. في الفكر الاقتصادي والسياسي السائد، ولا يزال.. دونما تكامل، وارتباط بين الفكر الاقتصادي والسياسي والفلسفي.. للرأسمالية الليبرالية، والنيوليبرالية الغربية، بل وغيرها من التجارب الآسيوية، التي حققت نجاحات في عديد المجالات الاقتصادية، والعلمية، والتكنولوجية.

من هنا تتجلى أزمة العقل المالي.. في إطار الأنظمة النيوليبرالية التابعة، لا سيما في دول العسر، وأيضاً في دول الريع النفطي!

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة