تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

النفخ في نيران الفتنة!

M.Adam
عبدالله عبدالسلام 

عبد الله عبدالسلام

بعض النخب الإعلامية والثقافية العربية.. أزاحت العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران جانباً، وتفتق ذهنها عن تفسير ما يجري، بأنه صراع مذهبي طائفي.. بين ما سمته القوى «السُنية» و«الشيعية». القوى السُنية – بزعمها – تقف مع أمريكا، وتشجعها على استئناف الحرب على إيران. والقوى الشيعية.. تدافع – بكل ما تملك – عن طهران.

وبدلاً من الدعوة إلى الوحدة والتضامن.. في مواجهة الهجمة الاستعمارية الأمريكية-الصهيونية، تفرغت تلك النخب (على الجانبين).. لبث خطاب تحريضي، يحرف الاهتمام عما يحدث حقيقة، ويتحدث عن حالة أقرب إلى صراع ديني.. تتدخل أمريكا فيه لصالح طرف ضد آخر. تتردد – في هذا الخطاب – شيطنة الطرف الآخر، وهو ليس أمريكا وإسرائيل، وإنما بعض الدول العربية أو إيران.

تقول تلك النخب.. إنها علمانية، لكن كتاباتها وكلامها.. ينضح بالطائفية والفتنة والتحريض. تردد مقولات غير صحيحة؛ من قبيل أن السُنة والشيعة في حروب منذ 1400 عام. بينما التاريخ يشهد أن فترات التعايش والاندماج والمصاهرة.. كانت الأصل، وليس الاستثناء. الانفجارات الطائفية السُنية-الشيعية الراهنة.. نتاج أحداث سياسية ؛ مثل الثورة الإيرانية 1979، والغزو الأمريكي للعراق 2003، وتحوُّل بعض ثورات الربيع العربي.. إلى حروب أهلية؛ لعبت إسرائيل والقوى الأجنبية دوراً مهماً.. في إشعالها واستمرارها. 

الطائفية – خاصة بين السُنة والشيعة – ليست جينات في دماء العرب، بل لها أسباب عديدة؛ أهمها فشل الدولة الوطنية في القيام بدورها.. سياسياً اجتماعياً واقتصادياً.

ثم إن الواقع يقول.. إن مصطلح القوى السُنية غير دقيق، أو واقعي. ليس هناك ما يمكن أن نطلق عليها «المحور السُني». الدول السُنية.. تختلف سياساتها بشكل عام، وتحديداً بشأن الموقف من الحرب على إيران. باكستان تقود الوساطة، ومعها مصر وتركيا وغيرها (وهي دول سُنية) لوقف العدوان. نفس الأمر مع مصطلح القوى الشيعية. هناك من يؤيد إيران؛ كحزب الله وفصائل عراقية والحوثيين، وهناك من يرفض سياساتها. التيار الصدري العراقي.. لديه خلافات (قبل الحرب) مع طهران، ويتهمها بالاعتداء على سيادة العراق. هذا لا ينفي وجود المذهبية بحد ذاتها. لكن المشكلة.. تكمن في كيفية استغلال هذا الاختلاف؛ سواء في التنافس الإقليمي، وتأجيج الصراعات. وللأسف، يتم استخدام بعض النخب السياسية والإعلامية.. في إظهار هذه التمايزات، وكأنها القضية الأخطر.. التي يواجهها المسلمون والعرب.

التراث الفكري العربي الحديث.. لديه ذخيرة من الكتابات التي فككت الطائفية؛ باعتبارها ظاهرة سياسية.. تستخدم الدين أداة للحشد، وتكريس الانقسام. 

… عالم الاجتماع العراقي الراحل فالح عبد الجبار.. يعتبر أن النزاع الطائفي، ليس صراعاً بين عقيدتين، بل بين نخب سياسية على تقاسم الغنائم.. باسم العقيدة. 

… الإمام الأكبر الراحل محمود شلتوت – صاحب فتوى التقريب الشهيرة – يقول إن الإسلام أوسع من أن يضيق بمذهب، وأن تفرُّق المسلمين إلى سُنة وشيعة.. فتنة يستغلها أعداء الأمة. 

لا أعتقد أن هؤلاء النافخين في نيران الفتنة، لم يطلعوا على هذا التراث. لكنهم لأسباب مصلحية – وارتباطهم بجهات معينة – يصرون على استعادة تراث آخر.. من أضابير التاريخ، يتحدث عن الصراع الفارسي الصفوي، وعن الروافض (الشيعة).. مقابل النواصب، والمخالفين، وأبناء العامة (السُنة). 

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة