تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الضمير والعدالة.. بن غفير ليس وحده!

M.Adam
عبدالله السناوي 

عبدالله السناوي

«أهلاً بكم في إسرائيل»!

بدت عبارة الترحيب.. بنصها وأجوائها ورسائلها – على لسان وزير الأمن القومي الإسرائيلي «إيتمار بن غفير» – تعبيراً صريحاً عن إسرائيل الحقيقية، لا إسرائيل المُدَّعاة.

استدعت الصور المفزعة – التي سجَّلها وبثها بنفسه – لاستقبال ناشطي أسطول «الصمود».. إدانات دولية واسعة، لم يكترث بها!

وبتعبير رئيس المجلس الأوروبي «أنطونيو كوستا»: «أنا مصدوم مما رأيت». كأن هناك مفاجأة في أن تُنسب إلى دولة الاحتلال، و«بن غفير» بالذات.. جرائم ضد الإنسانية.

تاريخه كله مشين.. بأي معنى سياسي أو أخلاقي. وقد استدعى فرض عقوبات قانونية عليه؛ تمنعه من دخول بلدان أوروبية عديدة.

وفق تسريبات من المحكمة الجنائية الدولية، فهناك مذكرات توقيف محتملة.. قد تصدر بحقه، مع أربعة قيادات أخرى؛ هم وزير المالية «بتسلئيل سموتريتش»، ووزير الدفاع «يسرائيل كاتس»، ورئيسا الأركان السابق والحالي.. «هرتسي هليفي» و«إيال زامير»، بتهم ارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية.

إذا صحت المعلومات المسربة – عبر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، وصحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية – فإن ذلك يُعد تصحيحاً للعدالة المختلة، التي مكنت دولة الاحتلال من المضي قدماً في حربي الإبادة والتجويع.. تنكيلاً بغزة وأهلها، دون خشية عقاب؛ استناداً إلى الدعم اللامحدود من الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

«إنهم ليسوا أبطالاً على الإطلاق».

كان ذلك تصريحاً آخر لـ«بن غفير» – تبناه عملياً رئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو».. بوصف أساطيل «الصمود» بـ«أساطيل حماس» – لكن نتنياهو أردف مراوغاً.. أن المشاهد المصورة «لا تتوافق مع قيم ومبادئ إسرائيل»!

بالتوقيت، قصد «بن غفير» تعزيز فرص حزبه في انتخابات الكنيست المقبلة.. بعد تمرير قانون مقترح من الائتلاف الحاكم.. بالقراءة الأولى، يحل به نفسه.

أراد أن يقول.. إنه الأكثر حرصاً على أمن إسرائيل، التي تتهددها أساطيل من مساعدات!

لم يكن أحد في العالم مستعداً لأن يتقبل، أو أن يسوغ.. التنكيل المفرط؛ ضرباً وسحلاً، وصعقاً بالكهرباء.. بالنشطاء الغربيين، الذين جرى اعتقالهم في المياه الدولية.. قبل أن يصلوا إلى غزة المحاصرة، لإيصال المساعدات لأهلها المُجوَّعين.

جرى استدعاء السفراء الإسرائيليين في 9 دول غربية – هي فرنسا وإيطاليا وكندا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا وإيرلندا وأستراليا ونيوزيلندا – احتجاجاً على الانتهاكات التي جرت بحق مواطنيهم، دون أن تشمل الإدانات المتواترة.. السياسات الإسرائيلية المنهجية المتبعة في تعذيب الفلسطينيين، والعصف بأي حقوق لهم.

وشملت موجات الإدانات ــ بالمفارقة ــ السفير الأمريكي في إسرائيل «مايك هاكابي»، الذي دعا علناً قبل فترة قصيرة.. إلى «إسرائيل الكبرى»، بذريعة أحقيتها في ضم أراضٍ عربية!

بصورة شبه متعمدة، لُخِّصت الانتهاكات الوحشية.. في «بن غفير» وحده.

كان ذلك إخلالاً جسيماً بالحقيقة وتدليساً عليها.

هكذا أُتيحت أمام «نتنياهو».. فرصة التحلل من أي مسؤولية سياسية وأخلاقية تتحملها حكومته؛ كأن وزير الأمن القومي فيها يتصرف وحده.. دون تفويض أو حساب على تصرفاته، التي وصفها العالم كله.. بأنها مشينة، واعتبرها وزير خارجيته.. تمثل إضراراً فادحاً بجهود تحسين صورة إسرائيل!

بقوة الصور.. تبدلت مشاعر، وتغيرت أحوال – بدت مستقرة وراسخة – منذ تأسيس الدولة العبرية.

لم يعد ممكناً تسويغ صورة الدولة الحديثة.. واحة الديمقراطية، في محيط عربي متخلف ومستبد، أو صورة الدولة الصغيرة المسالمة.. التي يتربص بوجودها ومستقبلها العرب.. بداعي «العداء للسامية».

ولم يعد ممكناً.. التجهيل بالمعاناة الفلسطينية الطويلة؛ من تهجير قسري، وفصل عنصري، أو إنكار أحقية شعبها.. في تقرير مصيره بنفسه.

إنه تطور حقيقي.. في بنية الوعي الغربي بالقضية الفلسطينية؛ خاصة بين الأجيال الجديدة.

بقوة الصور: ما ترسخ طويلاً.. يتبدد أثره الآن.

المُلفت هنا، أن السياسات العربية.. تكاد تَضمحل ضعفاً وعجزاً.. عن استثمار انتفاضات الضمير الإنساني.. في الشوارع الأوروبية، وداخل أمريكا نفسها.

… لم تنهض.. للدفاع عن حقوق الأسرى الفلسطينيين، ولا انبرت.. لإدانة تأخذ في أي اعتبار لاستصدار قانون من الكنيست، يبيح إعدامهم.

في أتون الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، تبدت أمام الرأى العام في الولايات المتحدة.. تساؤلات جدية حول مسؤولية إسرائيل.. في جرها إلى مستنقع الحرب، وتكاليفه الاستراتيجية الباهظة.. على مصالح بلادهم في الشرق الأوسط.

لم يعد مُسلّماً به.. أن الدور الإسرائيلي مكون جوهري.. في حسابات المصالح والاستراتيجيات الغربية، بل عبئاً عليها.

وفي الوقت نفسه، تقوض أثر التجييش الدعائي.. لنموذج إسرائيل التي نهضت من «الهولوكوست».. إلى الدولة.

تكفلت بتكريس ذلك النموذج وسائل الإعلام وهوليوود.. على مدى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، أفضت الرحلات – التي نُظِّمت بتوسع.. لجماعات واسعة من الشباب الأوروبي – إلى «الكيبوتسات»، التي تُعرف الآن باسم «المستوطنات»، إلى بناء قاعدة ولاء لنموذج دولة حديثة.. منفتحة على عصرها؛ اشتراكية وديمقراطية، يحميها السلاح.. على ما كان يزعم مؤسسو الدولة!

لم يعد ممكناً الآن.. أي ادعاء مماثل؛ فالأجيال الجديدة تغيرت بوصلة نظرتها، فالـ «كيبوتسات».. أخذت صفتها الحقيقية؛ كتجمعات استيطانية.. تتوسع على حساب السكان الفلسطينيين.. بالمخالفة للقانون الدولي، ويتفشى فيها اليمين الصهيوني.. بأكثر صيغه تطرفاً وعنصرية.

تبددت الدعايات، وبقيت الحقائق.

بقوة الصور المتواترة، أعادت القضية الفلسطينية تعريف نفسها؛ كقضية إنسانية.. تستحق الدعم والإسناد. وقضية تحرر وطني عادلة، ومحقة.. لشعب رازح تحت الاحتلال، يطلب حقه في الحرية.

في كل صورة.. مأساة إنسانية كاملة. والصور.. واصلة برسائلها إلى الضمير الإنساني في العالم كله.. طلباً للعدالة.

نقلاً عن «الشروق»

شارك هذه المقالة