مودي حكيم
في زمن سادت فيه الفوضى، يتجلى تخلف الأمم أو تقدمها.. في نوعيَّة شؤون حياتها العامة والخاصة. ويتحقق تقدم الأمم وتطورها.. عبر تكامل عناصر تبني الإنسان، وتنهض بالمجتمع؛ تشمل التعليم والأخلاق والقيم، والسلوكيات والذوق العام والإحساس بالجمال. ومع تخلف الدول، يميل الناس إلى الفوضى، ويكرهون التقيد بالنظام.. لأنهم يظنون أن الفوضى هي الحريَّة، أو تشبه الحريَّة؛ فبين الفوضى والعشوائيَّة والتخلف.. علاقة وثيقة جداً.
نحن – مع الأسف – فقدنا الانتماء، والالتزام بالقيم والأخلاق. فقدنا الذوق، والإحساس بالجمال.. مع الزبالة في الشوارع، وسوء لغة الحوار.. في كل مكان؛ بدءاً من البيت والشارع والمدرسة، وحوارات الشاشات.. من التليفزيون لشاشة المحمول.. بمحتواها السيئ. وفسدت أذواق الناس، وأحاطت بنا القصص والجرائم. الوطن منهك، والفساد يصنع في الشوارع، ويتغذى على سلوك العامة، ويترعرع في بيئة لا تحترم النظام، ولا تقدِّر الكفاءة. هناك من يلقي القمامة في الشارع، ويكسر النظام في الطابور، ويغض الطرف عن الخطأ.. بحجة أنه لا يتدخل فيما لا يعنيه. ويصفق لفاسد.. لأنه من منطقته، أو يدافع عن جاهل.. لأنه ابن «حتته»، أو يقصي كفؤاً.. لأنه لا يملك ظهراً.
المجتمع الذي لا يحسن إدارة أبسط تفاصيل حياته اليوميَّة، لن يحسن اختيار مسؤولٍ، ولا بناء دولةٍ، ولا صناعة مستقبل. ومن لا يحترم النظام في الشارع.. لن يطالب به في المؤسسات. ومن يتغاضى عن الظلم في الحي.. لن ينتصر للعدالة في الحكم.
في حي الدقي، تحولت الشوارع الجانبيَّة – بعلم إدارة الحي – خلف إحدى شركات السيارات، وتحت كوبري «صفط».. لورش عشوائيَّة – في المنطقة بين شارع التحرير وشارع السودان – حيث يقع مقر مكتبي للمحتوى الإعلامي، الذي يتردد عليه إعلاميون مصريون وعرب وأجانب.. تحول ما يحيط به إلى ورش لسمكرة ودهان وإصلاح السيارات، تعمل على مدار الساعة، يديرها أحد أبناء المنطقة.. له علاقات من نوع ما.. بالحي. لقد حاولت مقابلة رئيس الحي للشكوى.. دون جدوى؛ فموظفو الأمن.. يمنعون الجمهور من التواصل مع الرجل.. بعلمه أو بلا علمه، والله أعلم.
… إذا أردت أن تعرف مستقبل أمة، فانظر كيف يتصرف شعبها في الزحام.. الشارع فوضى.
كنا نعاني من سيارات الميكروباص و«التكاتك»، لكن انضمت لها الآن الدراجات البخاريَّة. «وموتوسيكلات» عمال توصيل الطلبات للمنازل «الدليفرى».. تحتاج لقيادتها مهارات خارقة.
تلقيت رسائل.. بمخالفات لسيارتي – التي سلمتها متنازلاً.. لجمارك الإسكندريَّة – ومخالفات على سيارة زوجتي.. المتوقفة، وهي طريحة الفراش منذ تسعة أشهر.
إن المجتمع ينتج ما يشبهه، والأدهى.. أن المواطن حين يصعد للمنصب، يتقمَّص سلوكيات من سبقوه.
إن تغيير الوزير أو المسؤول.. ليس الحل، بل الحل في تغيير العقليَّة العامة. في بناء ثقافة مدنيَّة.. تبدأ من البيت والمدرسة؛ انطلاقا من دمج القيم الوطنيَّة في المناهج الدراسيَّة، والمشاركة في الأعمال التطوعيَّة. أتذكر في صغري.. مشاركتي مع زملائي في مدرسة مصر الجديدة الثانويَّة – بعطلة الصيف من كل عام – في جمع التبرعات من سكان شوارع المدينة.. لصالح جمعيَّة تحسين الصحة بسفح الهرم، والتي أصبحت الآن.. مدينة لتحسين الصحة.
تعلمنا أن إلقاء القمامة في مكانها المحدد.. عملاً وطنياً، واحترام الطوابير.. سلوكاً حضارياً.
… إذا لم تتغير المفاهيم، وتترسخ هذه التفاصيل البسيطة في وعي الناس، فلن يتغير الكثير أيضاً.
إن مسؤولية الدولة.. لا توضع على أكتاف الحكام فقط، بل تُبنى من سلوك الناس؛ ومن هنا.. تبدأ الكارثة، أو تبدأ النهضة.
نقلاً عن «المصري اليوم»