أحمد الجمال
تلك سطور كتبتها منذ عدة سنين، أستأذنكم في نشرها مجدداً.. لأضيف سؤالاً أظنه مهماً، سأطرحه في نهايتها.
كثيراً ما يفكر المرء في شأن المعايير التي بها تقيَّم – أو تقوَّم – الأحداث التاريخية، ونظم الحكم.. وكذلك الحكام. وهل يقف المؤرخون – ومن ثم التاريخ – طويلاً، أو حتى عابراً.. أمام بعض التفاصيل؛ إن كانت في وقتها مهمة، بل – وربما – كارثية؛ وعلى سبيل المثال، فإن غالبية المثقفين وأهل السياسة الآن ينظرون إلى محمد علي باشا الكبير.. باعتباره الرجل العظيم، مؤسس الدولة المصرية المدنية الحديثة، والحاكم القوي.. الذي انتقل بمصر من الانحطاط المملوكي الثاني، إلى التقدم والقوة، والدور المنطلق في محيطها.. حتى وصلت سطوتها إلى ضفاف الخليج العربي، وقلب الجزيرة العربية، وإلى شمال اليونان.. وحتى إسطنبول، وعمقاً إلى جنوب البحر الأحمر وجنوب السودان!
ثم حدِّث ولا حرج.. عن دور محمد علي باشا في تأسيس تعليم مدني حديث؛ متعدد التخصصات، وإرسال البعثات، وبناء المصانع، وتطوير طوائف الحرف، وتغيير نظام الأرض الزراعية، والسيطرة على نهر النيل بالقناطر، والبدء في إنشاء شبكة الري العملاقة.. بالرياحات والترع الكبيرة. وكذلك ضبط الأمن، والرقابة على الأسواق.. وغيرها الكثير!
… كل ذلك عظيم ومقدَّر، ولكن لماذا لا يتوقف المؤرخون – ومن ثم التاريخ – أمام وقائع أخرى شديدة السلبية.. بمعايير عديدة؛ ومنها واقعة الاجتماع.. الذي تم فيه تسليم السلطة لمحمد علي، وواقعة أخرى.. هي مذبحة القلعة؟
هنا أترك المجال لوصف تفصيلي، كتبه مؤرخ معاصر لتلك الحقبة؛ هو الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، وسجَّله في كتابه بالغ الأهمية.. «عجايب الآثار في التراجم والأخبار»، وله عدة طبعات، أهمها في نظري طبعة الهيئة العامة لقصور الثقافة، وهي بتحقيق عالم متميز.. هو الأستاذ عبد العزيز جمال الدين.
كتب عمنا الجبرتي ما نصه: «فلما أصبح يوم الجمعة سادسه – أي السادس – من شهر صفر سنة 1226 هجرية.. ركب الجميع، وطلعوا إلى القلعة.. بمماليكهم وأتباعهم وأجنادهم، فدخل الأمراء عند الباشا وصبحوا عليه، وجلسوا معه حصة وشربوا القهوة، وتضاحك معهم.. ثم أنجز الموكب على ما رتبوه؛ فأنجز طايفة الدلاه وأميرهم المسمى أزون أوغلي، ومن خلفهم الوالي، والمحتسب، والأغا، والوجاقلية، والألداشات المصرية.. ومن تزيا بزيهم. ومن خلفهم طوايف العسكر.. الرجالة، والخيالة، والبكباشيات، وأرباب المناصب منهم، وإبراهيم أغا أغات الباب، وسليمان بك البواب يذهب ويجيء.. يرتب الموكب! وكان الباشا – أي محمد علي – قد بيّت – أي دبر – مع حسن باشا وصالح قوج والكتخدا فقط.. غدر المصرية وقتلهم، وأسر بذلك في صبحها إبراهيم أغا أغات الباب..
فلما أنجز الموكب، وفرغ طايفة الدلاه.. ومن خلفهم الوجاقلية والألداشات المصرية، وانفصلوا من باب العزب.. فعند ذلك أمر صالح قوج بغلق الباب، وعرَّف طايفته بالمراد، فالتفتوا ضاربين بالمصرية، وقد انحصروا – بأجمعهم – في المضيق المنحدر الحجر المقطوع.. في أعلى باب العزب.. مسافة ما بين الباب الأعلى، الذي يتوصل منه إلى رحبة سوق القلعة إلى الباب الأسفل. وقد أعدوا عدة من العساكر.. أدنوهم على علاوي النقر الحجر، والحيطان التي به، فلما حصل الضرب من التحتانيين، أراد الأمراء الرجوع القهقرى.. فلم يمكنهم ذلك، لانتظام الخيول في مضيق النقر، وأخذهم ضرب البنادق والقرابين من خلفهم أيضاً، وعلم العساكر الواقفون بالأعلى المراد.. فضربوا أيضاً، فلما نظروا ما حل بها، سقط في أيديهم، وارتبكوا في أنفسهم، وتحيروا في أمرهم، ووقع منهم أشخاص كثيرة، فنزلوا عن الخيول، واقتحم شاهين بك وسليمان بك البواب وآخرون.. في عدة من مماليكهم، راجعين إلى فوق، والرصاص نازل عليهم من كل ناحية، ونزعوا ما كان عليهم من الفراوي والثياب الثقيلة، ولم يزالوا سايرين وشاهرين سيوفهم.. حتى وصلوا إلى الرحبة الوسطى.. المواجهة لقاعة الأعمدة، وقد سقط أكثرهم..
وأصيب شاهين بك.. وسقط إلى الأرض، فقطعوا رأسه.. وأسرعوا بها إلى الباشا.. ليأخذوا عليها البقشيش.
وكان الباشا – عندما ساروا بالموكب – ركب من ديوان السراية، وذهب إلى البيت الذي به الحريم – وهو بيت إسماعيل أفندي الضربخانة – وأما سليمان بك البواب.. فهرب من حلاوة الروح، وصعد إلى حايط البرج الكبير.. فتابعوه بالضرب حتى سقط، وقطعوا رأسه أيضاً. وهرب كثير إلى بيت طوسون باشا – بظن الالتجاء به والاحتماء فيه – فقتلوهم. وأسرف العسكر في قتل المصريين، وسلب ما عليهم من الثياب، ولم يرحموا أحداً.. وأظهروا كامن حقدهم، وضبعوا فيهم وفيمن رافقهم متجملاً معهم.. من أولاد الناس وأهالي البلد، الذين تزيوا بزيهم لزينة الموكب؛ وهم يصرخون ويستغيثون؛ ومنهم من يقول أنا لست جندياً ولا مملوكاً. وآخر يقول أنا لست من قبيلتهم.. فلم يرقوا لصارخ ولا شاكٍ ولا مستغيث، وتتبعوا المتشتتين والهربانين – في نواحي القلعة وزواياها، والذين فروا ودخلوا في البيوت والأماكن – وقبضوا على من أُمسك حياً.. ولم يمت من الرصاص، أو متخلفاً عن الموكب.. وجالساً مع الكتخدا؛ كأحمد بك الكيلارجي، ويحيى بك الألفي، وعلي كاشف الكبير.. فسلبوا ثيابهم، وجمعوهم إلى السجن.. تحت مجلس كتخدا بك. ومن مات من المشاهير المعروفين، وانصرع في طريق القلعة.. قطعوا رأسه، وسحبوا جثته إلى باقي الجثث، حتى إنهم ربطوا في رجلي شاهين بك ويديه.. حبالاً، وسحبوه على الأرض – مثل الحمار الميت – إلى حوش الديوان.. هذا ما حصل بالقلعة».
ورغم إدراكي أن لكل حدث ظروفه الموضوعية، ولا يجوز مقارنة غيره به.. لكن السؤال هو: هل يدرك من لا يلتفتون إلى المظالم والمعاناة.. التي يتعرض لها الشعب، أن يوماً سيأتي لطرحها، ولن تغفرهما أية إنجازات؟!
نقلاً عن «المصري اليوم»