تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

العنف الاجتماعي .. مناقشة هادئة «1-2»

M.Adam
نيفين مسعد

د. نيفين مسعد

لا يوجد مجتمع في العالم.. يخلو من ظاهرة العنف؛ سواء المادي أو المعنوي. بل إن هذا العنف يتصاعد، وتتسع دائرته.. ليشمل دولاً ليس لها تاريخ في العنف الاجتماعي؛ مثل كندا – على سبيل المثال – التي كانت تتمايز عن النموذج الأمريكي.. بانخفاض معدل الجريمة فيها. أما الآن، فإن كندا تعرف العنف.. بمختلف أشكاله، كما أن الصورة الذهنية عنها.. كدولة حاضنة للتنوع، ومنفتحة على الاختلاف.. آخذة في التغيُّر بالتدريج. 

هذا الانتشار للعنف.. له أسباب داخلية كثيرة، تتعلَّق بالتغيُّر في الظروف الاقتصادية للمجتمعات، وتركيبتها الديموجرافية، وخريطتها السياسية. وتفسره نظريات عديدة، لعل من أكثرها شمولاً.. نظرية الإحباط المولِّد للعدوان، لأن الإحباط متعدد المصادر. كما أن الانتشار له أسباب.. تتعلَّق بـما يسمى «تأثير الفراشة»، هذه النظرية التي تعود إلى إدوارد لورينز – عالِم الأرصاد الجوية الأمريكي – الذي أشار إلى.. انعكاس التطورات الخارجية على الأوضاع الداخلية؛ وهو ما اختصره «لورينز» في جملة بسيطة.. سرعان ما انتشرت على نطاق واسع، تقول «إن رفرفة جناح فراشة في كوبا، قد تتسبَّب في إعصار في الصين». وهكذا، بدا وكأن نظرية تأثير الفراشة – التي تعود زمنياً إلى سبعينيات القرن الماضي – كانت تستشرف المستقبل؛ حيث تربط العولمة الداخل بالخارج.

ولا تُعد مصر استثناء من الأزمات الداخلية المحتدمة.. التي تعصف بدول العالم المختلفة، ولا هي تُستثنى – بالتأكيد – من أثر رفرفة الفراشة.. الذي يربط أمريكا وروسيا وأوروبا والصين، بإيران وتركيا وباكستان والخليج العربي. ويجمع أمن الممرات المائية والطاقة.. مع إعادة تشكيل النظامين الإقليمي والدولي في حزمة واحدة. وبالتالي فإن المحلِّل الموضوعي، لابد أن تستوقفه ظاهرة تزايد العنف الاجتماعي في مصر.. كما يظهر لنا من متابعة الأخبار المنشورة في الإعلام الرقمي وغير الرقمي، والتي تتفاعل معها وزارة الداخلية بسرعة وفاعلية واجبة الإشادة. 

بطبيعة الحال، هناك رأي يقول إن الكثير من جرائم العنف – التي نشاهدها اليوم – كانت موجودة من قبل، إلا أن وسائل التواصل الاجتماعي.. ساعدت على كشفها وإبرازها؛ خاصةً مع ما أطلقَت عليه دراسة مهمة – صادرة عن مركز «رع» – وصف «جرائم الترند».. أي الجرائم التي يتم تناقل وقائعها على نطاق واسع. وهذا الرأي جائز – بل هو مرجَّح – لكن الظاهرة في كل الأحوال، تحتاج إلى رصد ومتابعة وتحليل.. من كل المراكز البحثية المعنية، وفي مقدمتها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية.. بتاريخه الطويل في الاهتمام بموضوع العنف. وقبل نحو شهرين، أنجز المركز دراسة تسترعي الانتباه.. عن العنف الأسري، وعرض نتائجها على الرأي العام في مؤتمر كبير. والعنف الأسري – بالتأكيد – جزء من العنف الشائع في المجتمع المصري، لكننا بحاجة إلى توسيع زاوية النظر.. بما يشمل كل أشكال العنف الاجتماعي وخصائصه، وتحليل الثابت والمتغيِّر في هذه الخصائص.

وعلى صعيد آخر، لا يوجد مدخل واحد.. لمعالجة ظاهرة العنف الاجتماعي؛ فكما تتعدد أسباب الظاهرة، من المفترض أن تتعدد مداخل التعامل معها، لكنني من الفريق الذي يؤمن بأن المدخل الثقافي له أهمية خاصة، في الحد من الظاهرة.. من منطلق أن كل عنف يبدأ في الذهن، ثم يتحوَّل إلى سلوك أو خطاب. وفي هذا السياق، يركز مقال اليوم.. على تحليل بعض مستجدات العنف الاجتماعي في مصر، على أن يتم تخصيص مقال الأسبوع القادم – بإذن لله – لمناقشة المدخل الثقافي في التعامل مع الظاهرة.

تكشف تفاصيل الجرائم التي وقعت في مصر.. على مدار الأعوام الثلاثة أو الأربعة الماضية، عما يمكن وصفه باللجوء – أحياناً – إلى السادية في ممارسة العنف؛ بمعنى المبالغة في الانتقام، والذهاب إلى أبعد مدى.. في إلحاق الأذى بالضحية. والأمثلة لا تنقصنا في هذا الخصوص؛ فمن قاتل المذيعة الشهيرة.. الذي أذاب جثتها بمادة كاوية، إلى سفَّاح التجمُّع.. الذي كان يعذِّب ضحاياه في غرفة مجهَّزة بعوازل للصوت، إلى الجرائم المفزعة ضد الأطفال.. وتصويرها لتسويقها على الدارك ويب، وقاتل صديقه وأسرته بدم بارد.. وقيادة السيارة مع جثث ضحاياه، إلى الواقعة المذهلة لقاتلة والدتها.. وتمزيق جسدها إرباً، ثم قضاء الليل بجانبها، ثم إلى سحل مجموعة من المواطنين لصَّاً.. أقدم على سرقة متعلقات من أحد المستشفيات.

هذا النوع من توحُّش العنف، كان أسلوباً مميزاً لعنف حركات التطرف الديني – كما عرفتها مصر على مدار تاريخها – وصولاً إلى الفظائع التي ارتكبتها جماعة الإخوان.. بعد أن ثار الشعب المصري ضدها في 30 يونيو 2013. لكن الجديد أن هذا الأسلوب، امتد لأشخاص لا يعتنقون – على الأقل ظاهرياً – الفكر الديني المتطرف، ولا ينخرطون تنظيمياً في جماعاته. 

ويقودنا ذلك إلى الحديث.. عن مرتكبي هذا النوع من الجرائم؛ وفيهم مَن يأتون من خلفيات جامعية، وبعضهم.. حتى دارس للقانون، كما أنهم ليسوا بالضرورة من أبناء الطبقة الدنيا، بل منهم مَن يأتي من الطبقة الوسطى، وحتى من الشريحة العليا في هذه الطبقة، وهو ما يطرح السؤال الخطير التالي: هل تحوَّلت هذه الطبقة.. من رمَّانة ميزان المجتمع، إلى أداة لتهديد استقراره؟ 

إجابة هذا السؤال.. تحتاج إلى دراسة إحصائية، غرضها إنقاذ ما تبقى من الطبقة الوسطى.. المتآكلة أصلاً. 

وعندما ننتقل إلى مبررات الجريمة، سنجد أن بعضها يشير إلى استسهال اللجوء للعنف، لمواجهة مواقف عادية.. كان يمكن التعامل معها بوسائل أخرى كثيرة. وهنا يبرز تكرار جرائم قتل الفتيات.. اللائي يرفضن الزواج من المتهمين.

… عندما عدت إلى أرشيف هذا النوع من الجرائم، وجدت – على سبيل المثال، في عام 2022 – عدة نماذج؛ كان منها.. أربع فتيات في المنصورة والزقازيق والمنوفية وبورسعيد، تعرَّضن للقتل. وهو ما يطرح السؤال التالي: إلى أي مدى يشيع هذا النوع من الجرائم.. في محافظات الوجه البحري والقناة، مقارنةً بمحافظات الصعيد؟ 

إجابة هذا السؤال – بدورها أيضا – تحتاج إلى دراسة إحصائية مقارنة.. من أجل التركيز على بؤر الجريمة، ومعالجتها. 

كذلك، مما يلفت النظر.. الجرأة الشديدة في ارتکاب الجرائم، بحيث لم يعد النهار ولا الازدحام.. عاصمَين من ممارسة العنف؛ يسري هذا على أبسط الجرائم.. المتعلقة بسرقة حديد الكباري، وقضبان القطارات. كما يسري على أغلظ الجرائم.. كما في محاولات الاغتصاب، على مرأى ومسمع من الجميع. وقد شاهدنا نموذجاً فجَّاً لها قبل أيام قليلة. 

مثل هذا التجرؤ، يطرح علينا السؤال التالي: إذا كان القانون وحده لا يردع الجريمة، أفلا تكون الوقاية – إذن – خير من العلاج؟

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة