عبدالله عبدالسلام
وأنا أتابع مشهد انهيار الأحزاب الكبرى في ألمانيا – في انتخابات ولاية «سكسونيا أنهالت» يوم الأحد الماضى – لم أملك إلا أن أُقارن حال هذه الأحزاب في ألمانيا.. وأوروبا عامة، بحال أحزابنا السياسية.
أحزابهم تتعرض لنكسات ولطمات.. على أيدي الناخب، بينما أحزابنا لا يمسها أحد. ليس هناك استحقاق انتخابي.. يمكن أن يهز ثقتها بنفسها. تأتي الانتخابات وتذهب، لكن قياداتها مستمرة. صوت الناخب لا تأثير له. اللامبالاة التى يتعامل بها المواطن المصري مع 100 حزب أو أكثر، لا تغير في الأمر شيئا. قيادات أحزاب «الوجاهة الاجتماعية»، والصالونات، والقيادات «الأُسرية».. تمضي في طريقها منتفخة الأوداج، واثقة الخطى.. ويا جبل ما يهزك ريح.
حزب الاتحاد المسيحي الألماني الحاكم.. خسر نصف قوته التصويتية في الولاية، ليحصل على 17.2٪ فقط من الأصوات. الحزب الاشتراكي – الذي قاد الائتلاف الحاكم سابقا في ألمانيا – حصل على حوالي 8٪. الأحزاب التقليدية الأخرى – كاليسار والخضر – عانت نكسات تاريخية. الفائز الأكبر، كان حزب «البديل» اليميني المتطرف، الذي حصل على حوالي 44٪ من الأصوات. غير الاهتمام هنا، ليس بصدد تحليل نتائج الانتخابات، وتأثيرها على الحياة السياسية والحزبية الألمانية.
ما يعنينيى، أننا أمام ناخب ألماني وأوروبي.. متقلب المزاج، يعاقب بحسم.. الحزب الذي لا يلبي احتياجاته. لم يعد يصبر على الأحزاب، ويعطيها فرصة جديدة.. كما كان الأمر في الماضي.
… آنذاك، كان التحول في موقف الناخبين من الأحزاب بطيئا. يستغرق الأمر عدة دورات انتخابية، حتى ينزع الأغلبية من الحزب. انتهى كل ذلك.
في 2019، منح الناخب البريطاني حزب المحافظين أغلبية كاسحة. لكنه في عام 2024، نزع منه هذه الأغلبية.. بعد أن فشل في معالجة مشاكله الاقتصادية، وارتفاع الأسعار، وتضرر الخدمة الصحية والدعم الاجتماعى. عام 2024 أعطى الناخب الأغلبية الساحقة لحزب العمال. لكن.. بعد عامين فقط، استقال رئيس الحكومة العمالي كير ستارمر.. لفشله في الوفاء بوعوده الانتخابية.
هناك حاليا في أوروبا – والغرب عموما – تصويت عقابي.. شبه فوري، ضد النخب الحاكمة. الناخب يطلب حلولا سريعة لمشاكله. مصلحته الحياتية هي الأهم. لا مجال للولاء الحزبي.
مسألة أن يُدلي الفقراء بأصواتهم لليسار، والبرجوازيون لليمين، انتهت.
الناخب الغربي يمارس دور الزبون «السياسي»؛ يمنح صوته كـ«قرض مشروط»، وليس كـ«شيك على بياض». هذا الناخب مستعد لإعطاء صوته لأحزاب متطرفة، إذا رأى أنها تهتم به، ولا تعامله كرصيد انتخابي مضمون.. مثلما تفعل أحزاب الوسط (يمين ويسار).
الوضع عندنا مختلف تماما. الأحزاب تقول.. إن هدفها ليس التنافس على السلطة، رغم أن ذلك هو الغاية الأهم للحزب السياسي. لا ملمح مميز لحزب مقابل آخر. لسان حال الناخب المصري يقول: «إن البرامج تشابهت علينا». ليس هناك مشروع – ولو نظري – بديل لسياسات الحكومة، يمكنه أن يجذب المواطن.. من خلال اهتمامه بما يدخل «جيبه»، ويهديء من مخاوفه.. تجاه المستقبل. ليس غريبا ألا يهتم الناس بالأحزاب. بل إنهم لا يعرفون أسماءها، أو أسماء زعمائها.
المفارقة أن قيادات الأحزاب.. استكانت لهذا الأمر. إنها حالة مريحة. ليس مطلوبا منك شيئا.. سوى الظهور الإعلامي وإصدار البيانات. لا خوف من أن يعاقبك الناخب ولا استعداد للدخول في معركة انتخابية حقيقية. محظوظة أحزابنا السياسية.
نقلا عن »المصري اليوم«