تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الولايات المتحدة وإثيوبيا وقضية السد  

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد  

عُقِد في 21 أغسطس الماضي، اتفاقٌ للشراكة الدفاعية والأمنية الاستراتيجية.. بين الولايات المتحدة وإثيوبيا، ووُصِف الاتفاق بأنه إطار استراتيجي شامل.. للتعاون الدفاعي والأمني؛ يهدف لتوسيع التنسيق ومكافحة الإرهاب، ودعم الاستقرار في القرن الإفريقي. ورغم أن واشنطن وأديس أبابا.. لديهما إرث طويل من التعاون العسكري – لا سيما في مواجهة الحركات المتطرفة؛ كحركة «الشباب» الصومالية – إلا أنه يمكن اعتبار الاتفاق.. طفرة في هذا التعاون؛ بمعنى أنه نقله من مجرد إطار تفاعلي مؤقت لإدارة الأزمات، إلى إطار منظم طويل الأمد.. خاصة أنه أتى في توقيت يشهد فيه العالم والمنطقة استقطاباً حاداً. وقد اهتمت الدوائر السياسية والإعلامية – خارج طرفي الاتفاق – بتداعياته على القضايا المعقدة في المنطقة؛ ويهمنا منها.. دلالاته بالنسبة للموقف الأمريكي من الخلاف المصري-الإثيوبي.. حول السد؛ الذي تعتبره مصر تهديداً جسيماً لأمنها. 

وقد لوحظ الاهتمام الفائق من الرأي العام المصري بالاتفاق، وهو أمر طبيعي.. بالنظر إلى السجل الإيجابي – وإن يكن غير الفاعل – لمواقف ترامب السابقة تجاه السد؛ ففي ولايته الأولى – وتحديداً في نوفمبر 2019 – دعا وزراء الخارجية في مصر والسودان وإثيوبيا للاجتماع في واشنطن.. كسراً للجمود الدبلوماسي، بعدما أعلنت مصر.. وصول المحادثات مع إثيوبيا لطريق مسدود، وعُقدت اجتماعات مكثفة  انتهت – أواخر فبراير من ذلك العام – إلى مسودة اتفاق.. صاغته وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي، ووقعت عليه مصر بالأحرف الأولى، بينما اعتذرت إثيوبيا.. معتبرة أنه ينحاز لمصر، ويمس سيادة إثيوبيا، ويقيد قدرتها على الاستفادة المستقبلية من مياه النهر. 

وقد أدى هذا الموقف في حينه، إلى توتر حاد في العلاقات بين إدارة ترامب وإثيوبيا، إذ علقت جزءاً من المساعدات الأمنية والمالية لإثيوبيا؛ كعقاب على رفضها التوقيع. كما أطلق ترامب تصريحات علنية شهيرة؛ بدا فيها متعاطفاً مع الموقف المصري، ومحذراً من احتمالات تطور الوضع.. إلى مواجهات خطيرة، إذا لم يتم التوصل لحل عادل، بل إن ترامب بعد ذلك.. انتقد – في 23 أكتوبر 2020، خلال اتصال هاتفي مفتوح – انسحاب إثيوبيا من اتفاق واشنطن، وقال ما نصه «إن الوضع خطير للغاية، لأن مصر لن تكون قادرة على العيش بهذه الطريقة، وينتهي بهم الأمر بتفجير السد. لقد قلتها – وأقولها بصوت عالٍ وواضح – سوف يفجرون ذلك السد، وعليهم أن يفعلوا شيئاً ما»، وقد استدعت إثيوبيا السفير الأمريكي بعد هذا التصريح.. لطلب توضيحات؛ معتبرة أنه تحريض مباشر على الحرب ضدها. وامتد موقف ترامب من السد.. إلى ولايته الثانية؛ ففي 17 يونيو الماضي صرَّح – في سياق لقائه بالرئيس السيسي.. على هامش قمة مجموعة السبع – بأنه سيعمل على حل أزمة السد، مؤكداً أن أديس أبابا تعاملت في هذا الملف مع مصر.. بصورة غير منصفة.  

ولكل ما سبق، يبدو مفهوماً.. أن تنظر دوائر الرأي العام المصري بقلق، لهذا التطور المهم في العلاقات الأمريكية-الإثيوبية.. من منظور تأثيره على حرية الحركة المصرية في مواجهة مخاطر الأزمة. ولفتتني في التعليقات.. إشارات – من البعض – تحمل معنى أن مصر.. قد ضيعت فرصة ضرب السد قبل إكتماله، وأن الوضع الآن قد اختلف جذرياً؛ خاصة بعد هذا التطور في الموقف الأمريكي. 

… ومن المهم للغاية في هذا الصدد، توضيح عدد من الملاحظات:  

أولى الملاحظات: أن اللجوء للخيار العسكري.. لا يتم في فراغ، ومن الضروري لنجاحه.. أن يتم في سياق إقليمي وعالمي.. مواتٍ سياسياً وقانونياً؛ ولكي يتوافر هذا السياق، لا بد أن يحصل.. على شرعية قانونية؛ وهذه مسألة صعبة.. بسبب بنية مجلس الأمن؛ التي يمكن بموجبها لأي عضو من الأعضاء الخمسة الدائمين.. أن يمنع صدور قرار؛ خاصة أن ضرراً جسيماً لم يلحق بمصر بعد.. من جراء بناء السد، أو أن تكون الشرعية سياسية، بمعنى أن تواجه مصر موقفاً يُلْحِق ضرراً جسيماً بالحياة فيها، وبالتالي نصبح إزاء مسألة حياة أو موت.. تبرر الإقدام على أي فعل.  

والملاحظة الثانية: أن كل الخيارات ما زالت متاحة أمام مصر.. إن تعرضت – لا قدَّر الله – لضرر.. لا يمكن احتماله، ومن المؤكد أن كل الدوائر المعنية في مصر.. تدرس – بمنتهى الدقة – جميع الاحتمالات والخيارات المتاحة لمواجهتها؛ وهي عديدة وممكنة، وإن كان من المستحيل مناقشتها علناً.. كما حدث في مهزلة الاجتماع الذي أُذيع على الهواء، في السنة التي وصلت فيها جماعة الإخوان للسلطة في مصر. 

ومن المهم، ملاحظة أن هذه الخيارات.. لا تعني أن الخيار الدبلوماسي قد خرج من المعادلة. صحيح أن هذا الخيار كان معقداً منذ البداية بسبب التعنت الإثيوبي، غير أن إسقاطه غير وارد، لأن الظروف تتغير؛ فتفاقم المشكلة يجدد السير في طريق الوساطة، وليس صحيحاً بالضرورة.. أن الطفرة الأخيرة في العلاقة الأمريكية-الإثيوبية، سوف تلغي دور الإدارة الأمريكية في الوساطة، بل إنها قد تجعلها أكثر قدرة.. على التأثير في الموقف الإثيوبي. كما أن الصين – بدورها – مرشحة للقيام بدور دبلوماسي في حل المشكلة. ففي زيارته الأخيرة لمصر، أكد الرئيس الصيني.. حقوق مصر المائية، وعلاقة الصين بإثيوبيا إيجابية وقوية. وبالتالي، من الممكن تكرار النموذج الناجح للوساطة الصينية.. بين السعودية وإيران، الذي تُوِّج باتفاق مارس 2023 بين البلدين. فما زالت الفرصة متاحة إذن أمام الخيار الدبلوماسي، على أن التعويل الرئيسي.. يبقى منوطاً بموقف مصر، وهو ما ينقلنا للملاحظة الثالثة.  

في هذه الملاحظة (الثالثة) الأخيرة: يجب أن يكون واضحاً.. أن أساس الحفاظ على مصالح مصر وأمنها؛ هو قوتنا الذاتية، وقدرتنا على بناء التحالفات، وتوظيفنا لخبرتنا الدبلوماسية، واستعدادنا – الذي لا شك فيه – لتقديم التضحيات.. مهما عظمت، من أجل الوطن. وتاريخ الشعب المصري خير شاهد.. على أنه كان دوماً نموذجاً لحب الوطن، والتمسك به، وقهر أعدائه.  

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة