مصطفى كامل السيد
السؤال مهم، ولكن – حسب معرفتي – نادرة هي الكتب التي تبحث في عقل الحكام العرب، وتخوض في محددات العقل السياسي لهم، بحيث نستطيع بمعرفة هذه المحددات أن نفهم، بل نتنبأ، بطبيعة السياسات التي يمكن أن يتبعوها، بل ونوع القرارات التي قد يتخذونها. ولكن هناك كتاباً خاض هذه المغامرة وهو كتاب «العقل السياسي العربي، محدداته وتجلياته» للمفكر المغربي الشهير والراحل الدكتور محمد عابد الجابري، وهو الثالث للمؤلف في سلسلة نقد العقل العربي، وصدر هذا الكتاب عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت في طبعته الأولى سنة 1990.
ومن المفيد التذكرة بأن هذا الكتاب يتمايز من حيث موضوعه عن سلسلة دراسات المؤلف عن نقد العقل العربي، وهي التي جاء فيها بتصنيفه لاتجاهات الفكر العربي عموماً من حيث مناهجها بين ثلاثة وهي منطق البيان ومنطق العرفان ومنطق البرهان. الأول شائع في دراسات الفقه ويعتمد على المقارنة أو القياس والبحث عما هو موضع الإجماع، والثاني شائع بين الصوفيين منطلقاً مما يوحي به الحدس والقلب، والثالث يستخدم البرهنة المنضبطة سبيلاً للوصول إلى استنتاجات يقبلها العقل.
وينعى الجابري على الفكر العربي قديماً وحديثاً شيوع المنهجين الأولين والابتعاد عن المنهج الثالث الذي هو طريق النهضة. ولكنه في هذا الكتاب يلقي الضوء على محددات وتوجهات الحكام العرب. صحيح أنه يقصر دراسته على الحضارة الإسلامية، بدءاً بالدعوة المحمدية وحكم الخلفاء الراشدين، ومواصلاً فحص ممارسات هذه الحضارة في ظل الخلافتين الأموية والعباسية، ولكن إشاراته عديدة إلى أن العقلية التي سادت في هذا الماضي يمتد تأثيرها إلى الوقت الحاضر. ويستخدم كتابات المؤرخين والكتاب العرب الثقات مثل الطبري، والطرطوشي، والمقريزي، فضلاً عن كتاب الآداب السلطانية مثل ابن المقفع والجاحظ والماوردي غيرهم، ويتعامل معهم جميعاً ومع غيرهم على نحو نقدي. ومن هنا أهمية هذا الكتاب وأهمية التساؤل الذي يطرحه، فهل تمتد محددات وتوجهات العقل السياسي العربي في تلك العصور الماضية إلى الأوضاع العربية في القرن الحادي والعشرين؟
المحددات والتوجهات
ويطرح الجابري عدداً من المحددات للعقل السياسي العربي في فترة دراسته، منها اللاشعور السياسي وهو الذي يبرز ما هو سياسي في السلوك الديني والعشائري داخل المجتمع العربي القديم منه والمعاصر، ومنها المخيال الاجتماعي وهو – بحسب تعريفه – الصرح الخيالي الممتلئ برأسمالنا من المآثر والبطولات وأنواع المعاناة، وهو الصرح الذي يسكنه عدد كبير من رموز الماضي من حاتم الطائي إلى عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وهارون الرشيد وألف ليلة وليلة والأولياء الصالحين وجمال عبد الناصر، وأخيراً المجال السياسي هو المجال الخاص الذي تمارس فيه السياسة بدون مؤسسة دينية. ويضع الجابري المجتمعات العربية كلها في إطار المجتمعات السابقة على الرأسمالية، ومن ثم فتجربة المجتمعات الرأسمالية على مسار الحداثة لا تنطبق على المجتمعات العربية، ولذلك يخلص من دراسته لتاريخ هذه المجتمعات أن توجهات حكامها تعكس ثقل ميراثها الماضي، وهي دور القبيلة فيما يسمى بالتجنيد السياسي، وأهمية الغنيمة كحافز للانخراط في أنشطة الحكم، وتشكل المخيال السياسي بعقائد خاصة كلها تجعل الدين بتفسيراته المختلفة مرجعاً لها.
ويبحث الجابري تجليات هذه التوجهات الثلاثة في مسيرة المجتمع العربي الإسلامي. كان انتماء الرسول عليه السلام والخلفاء الراشدين لقريش واحداً من عناصر تميزهم إلى حد أن كتاب الفقه الإسلامي اعتبروا أن الانتماء إلى قبيلة قريش هو واحد من شروط الخلافة، واعتمد الأمويون على انتسابهم لفرع بني عبد مناف في قريش وعلى قبائل أخرى لا تتنمي إلى فرع بني هاشم لبناء قاعدة اجتماعية لحكمهم، وتوسع العباسيون في ضم قبائل في القيام بثورتهم ضد الحكم الأموي، وبلغ من تعدد الثائرين ضد الحكم الأموي أن جابري أطلق عليهم وصف «الكتلة التاريخية» التي جمعت عرباً وفرساً ومفكرين ناقدين للمذهب الجبري الذي عول عليه الأمويون لكسب الشرعية لحكمهم. وذهب إلى أن الخلافة العباسية ابتعدت عن الاستناد إلى قبيلة محددة كما كان الحال في سابق عهدها.
ولا ينكر الجابري أن الغنيمة لم تكن الحافز الوحيد للانضمام إلى الدولة الإسلامية الجديدة، ولكنه يوضح أنه منذ خلافة عثمان أصبحت الاستفادة من موقع السلطة لتراكم الثروة لدى الخليفة وأنصاره واحدة من أسس تأييد الحكم القائم، وقد كان الحصول على نصيب من غنائم الفتوحات للخليفة وأنصاره والجند المشاركين في الفتوحات أمراً تقره وتنظمه الشريعة، ولكن تجاوز عثمان لهذه القواعد كان من أهم أسباب الثورة عليه بل ومقتله. ولكن هذا الخروج على قواعد الشريعة بالنسبة لمغانم الفتوحات والتي اتسعت لتشمل بلداناً عديدة في الشام والعراق ومصر فضلاً عن بلاد الفرس وأخرى أصبح أمراً مألوفاً في ظل الخلافتين الأموية والعباسية وفقاً للجابري والمراجع التي اعتمد عليها.
وأخيراً فقد كانت العقيدة والنزاع حولها واحدة من أسس الشرعية طوال الفترة التي درسها الجابري. والواقع أن النزاع حول العقيدة بدأ بعد وفاة الرسول محمد عليه السلام في موجة الردة عن الإسلام، والتي كانت لها دوافع عديدة، ولكن بعض المرتدين ادعوا طرح ديانات جديدة بديلة عن الإسلام، ثم كان الخلاف حول تولي عثمان الخلافة دائراً حول من هو الأحق بهذا المنصب استناداً إلى تفسير للإسلام يجعل علياً أولى به بسبب قرابته الأوثق للرسول، وأدى الصراع بينهما إلى انشقاق من سموا بالخوارج الذين كفروا علياً لعزوفه عن رفضه للتحكيم بينه وعثمان ابن عفان.
وسعى الأمويون لطرح مذهب الجبر لكسب الشرعية لتوليهم الخلافة بعد انتصارهم في الحرب ضد علي وأنصاره وعلى العكس مما كان متصوراً من أن الخلافة تكون بمبايعة الصحابة، وتعددت المذاهب الفكرية الرافضة لمذهب الجبر، منها مذهب القدر، أي أن الإنسان له الاختيار بما في ذلك اختيار الخليفة، والذي روج له المعتزلة والأشاعرة، ومنها مذهب التكفير الذي نادى به الخوارج، وأخيراً مذهب الإمامة الشيعية الذي نادى به أنصار علي وأبنائه حتى بعد أن قتلوا واحداً بعد الآخر. وعندما جاء العباسيون كخلفاء جدد، فإنهم روجوا لتفسير جديد لما كان المعتزلة أنصارهم قد دعوا إليه، وهو إلباس مذهب الاختيار بثوب فارسي يجعل الخليفة اختياراً من الله عز وجل، ومن ثم فهو ظل الله على الأرض وليس مسؤولاً أمام البشر. وقد اجتهد الشراح الفارسيون في طرح هذا التصور الجديد، وفي مقدمتهم كل من ابن المقفع والجاحظ.
هل يفيدنا هذا التصور في فهم طبيعة النظم العربية المعاصرة؟
يعتقد الجابري أن النظم العربية المعاصرة، وهي نظم قبل رأسمالية، ورثت هذه الرؤية لتوجهات الحكم من الماضي مع تكييفها أحياناً لتتناسب مع مستوى التحديث الذي مرت به هذه النظم. الأساس القبلي قائم، ولكنه يستند إلى علاقات متنوعة من القرابة مثل الانتماء إلى إقليم جغرافي أو طائفة معينة أو التخرج من مؤسسات تعليمية محددة أو واحد من أجهزة الدولة.
القبيلة حاضرة في النظم الوراثية في الوطن العربي في الخليج والأردن والمغرب، حيث يتولى سلطة الحكم أعضاء القبيلة أو العائلة القائدة، وتمتد تقاليد توريث المناصب العليا في الدولة إلى النظم الجمهورية على نحو ما كان معروفاً في سوريا واليمن وليبيا وتونس قبل ثورات الكرامة العربية في كل منها، ومارس المنتمون إلى هذه العائلات الحاكمة أنشطة اقتصادية متعددة، ومع أن بعض هذه النظم قد أطيح بها إلا أن تقاليد تولي مناصب عليا في الدولة من جانب أقارب رئيسها تكررت في نفس هذه الدول كحال كل من سوريا وليبيا، ولم يعد البحث عن غنيمة بالاستفادة من تولي منصب عام مقصوراً على أقارب رئيس الدولة، بل أصبح تقليداً معهوداً من جانب أجهزة الدولة ذاتها في بعض هذه الدول.
وأخيراً فعلى الرغم من نهاية الصراع الإيديولوجي بين نظم تقدمية وأخرى محافظة الذي عرفه الوطن العربي في ستينيات القرن الماضي، فلا تهمل النظم الحاكمة في بعض الدول العربية السعي لنشر عقيدة سياسية جديدة تقوم ليس فقط على الولاء للوطن ونظام الحكم فيه، بل ولشخص رئيس الدولة باعتباره ضمان الاستقرار والرخاء، وتتنشر هذه العقيدة الجديدة من خلال المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية.
فهل يؤدي استمرار هذه التوجهات في النظم العربية المعاصرة، وكلها في رأي الجابري نظم قبل رأسمالية لا تعتمد الإنجاز سبيلاً للتجنيد السياسي، وتخضع ما يكسبه شاغل المنصب العام للشفافية والمساءلة، ويدور الحوار الأيديولوجي فيها على أساس منطق البرهان إلى أن تتمكن من مواجهة التحديات الخطيرة الراهنة لسيادتها ووحدتها الوطنية؟
نقلاً عن «الشروق»