
والكهربا كمان.. بقت جزء من الحكاية
يا جماعة الخير، فيه مسرحية قديمة لشكسبير.. اسمها «تاجر البندقية» ؛ ملخصها ببساطة شديدة: أن الشاب «بساميو» يحتاج إلى مال.. للسفر، وخطبة الفتاة الثرية «بورتشيا»، فيلجأ إلى صديقه التاجر النبيل «أنطونيو»، الذي يعتذر عن كفالته، لعدم توفر سيولة مالية لديه في ذلك الوقت.
يلجأ الصديقان.. إلى المرابي اليهودي «شايلوك»، فيوافق على إقراضهما المال.. بشرط جزائي غريب وصارم؛ إذا لم يُرد المبلّغ في الموعد المحدد، يحق لشايلوك اقتطاع «رطل من لحم» أنطونيو. ولسوء حظ تتعرض السفن التي تنقل تجارته.. للغرق والضياع في البحر، فيعجز عن سداد الدين في الموعد المحدد، ويصر شيلوك على تنفيذ الشرط الجزائي.. بدافع الانتقام منه، لمعاملته السابقة له.
تتنكر «بورتشيا» – زوجة بساميو – في زي محامٍ، وتتولى الدفاع عن أنطونيو أمام المحكمة؛ وتوافق على تنفيذ الشرط الذي فرضه شايلوك.. شريطة ألا يسفك الدائن (شيلوك) قطرة دم واحدة.. من أنطونيو، وأن يقتطع الرطل بالضبط.. دون زيادة أو نقصان.
يعجز شيلوك عن تنفيذ هذا الشرط التعجيزي، فتقضي المحكمة بمصادرة أمواله، وتجريده من ثروته.. لمحاولته قتل مواطن. فينجو أنطونيو، وتكتمل سعادة الأصدقاء، بتمكن سفن أخرى – يملكها أنطونيو – من الوصول إلى الميناء بسلام.
طيب، هو احنا جينا نتكلم عن مسرحية، ولّا عن فاتورة الكهربا؟
الاتنين والله، الاتنين.
الحكاية الحقيقية أعقد شوية
في النسخة الأصلية، اللي اقترض هو اللي هيسدد. كده منطقي.
لكن في النسخة المصرية؛ يعني العالمية.. من «تاجر البندقية»، اللي بيقترض حاجة، واللي بيسدد حاجة تانية خالص.
… الحكومة تروح تقترض؛ تقول: هنبني، هنطور، هنرفع مستوى المعيشة، هنعمل مشاريع قومية.. تنور الدنيا.
… كويس..
لكنها.. تاخد القرض. وبعدين تيجي تقولك: يا مواطن، تعال ادفع القسط.
طب أنا اقترضت إيه بالظبط؟
.. ولا حاجة.
أنا بس صحيت يوم.. لقيت الدولار طالع، والجنيه نايم. والسلعة اللي كانت بعشرة.. بقت بخمسين. ومرتبي واقف مكانه.. زي عمود؛ النور بيتفرج عليّا.. وأنا بغرق.
وفجأة.. جاءت الكهربا، لتضيف فصلا جديدا.. في المسرحية.
كنا فاكرين إن سنة 2026.. هتعدي على خير، لأن كان فيه كلام منتشر.. إن مافيش زيادة في أسعار الكهربا.. طول السنة. الناس فرحت، حسبت الفواتير، رتبت الميزانية.. على أساس إن الشريحة زي ما هي.
وبعدين.. فوجئنا بزيادة جديدة في شرائح الكهربا، بمتوسط حوالي 12%.
… هنا يأتي الفصل الكوميدي الحقيقي: طلع المتحدث باسم وزارة الكهرباء، يقول.. إن الكلام اللي كان منتشر عن «مفيش زيادة في 2026»، أصله «مفبرك». وإن الوزير لم يقل كذا. يعني إحنا مش بس فوجئنا بالزيادة، إحنا كمان اتقالنا.. إن الوعد اللي فرحنا بيه من الأساس، كان وهما. حلم في نص الليل. حد فبركه، مش الوزارة.
طيب مين اللي فبرك بقى؟ الشعب؟ الجن؟ حد قاعد في البيت مبطّل شغل.. وقرر يروج وعود كهرباء مزيفة؟ ولا يمكن الوعد كان حقيقي في وقته، بس «الظروف» – زي ما بيقولوا – تغيّرت؟
في الحالتين، النتيجة واحدة: إحنا اللي فرحنا بوعد، واحنا اللي بندفع فاتورة، زادت بفعل فاعل.. مبني على المجهول. واحنا اللي اتقالنا كمان، إن فرحتنا كانت غلط.. من الأساس.
الوعد موجود في ذاكرة الناس، الزيادة موجودة في الفاتورة؛ بس الوعد نفسه.. مصدره «شخص مجهول».
… براءة اختراع، في التبرؤ.
من «راعي» إلى «تاجر».. خطوة خطوة
المفروض الدولة دورها إيه؟ ترعى المواطن، تخدمه، تحميه، توفرله الصحة والتعليم والكرامة؟
… ده الكلام اللي بيتقال في الكتب، وفي الخطب، وفي الإعلانات.. بتاعة الأعياد القومية.
بس اللي بيحصل عملياً، إن الدولة بقت زي شايلوك بالظبط، ماسكة العقد في إيدها، وتقول: «أنا مش هسيب حقي.. ادفع القسط، ادفع الفوائد، ادفع الضريبة الجديدة، ادفع الرسم المستحدث، وادفع كمان.. زيادة الكهربا؛ اللي «متوعدناش» بيها… بس «هي جت».
والفرق الوحيد، إن شايلوك – على الأقل – كان بيطلب رطل لحم.. من اللي اقترض فعلاً، وكان صريح من الأول.. حسب نص العقد، مفيش لخبطة.
إحنا بقى بندفع رطل من لحمنا، عشان قرض.. ما شفناش منه قرش، ونأكل من دخل.. بيدوب أسرع ما بيدوب الملح في الميه.. من تضخم «نسبة التضخم».. المتصاعدة. وفوق كل ده، بيتقالنا.. إن الوعد – اللي طمّنّا – كان مصدره «مجهول».
الثقة اللي راحت في العداد
المشكلة الحقيقية.. مش في رقم الزيادة نفسه. المشكلة.. إن الحكومة، كل ما تتكلم، تزيد المسافة بينها وبين المواطن.
النهاردة الموضوع كهربا، بكرة حاجة تانية.
وكل مرة، نفس السيناريو؛ تصريح مطمّن، بعدين قرار معاكس، ثم نفي إن التصريح المطمّن.. كان أصلاً موجود.
وبعد كل جولة من هذا النوع، يتعلم الناس درسا واحدا فقط؛ متصدقش الوعد، قبل ما تشوف الفاتورة. وهذا أخطر شيء يمكن أن يسيء للعلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ لأن لو الثقة راحت، يبقى مفيش غير الخوف، أو اللامبالاة، وكلاهما ليس أساساً صحياً لدولة.
الحكومة تقول.. إنها شغالة لصالح الشعب، بتدعم الكهربا بمليارات، بتتحمل فرق التكلفة، وده ممكن يكون صحيح على الورق. بس المواطن مش بيقيس بالورق، بيقيس بالفاتورة اللي في إيده، وبمرتبه اللي واقف في مكانه، وبالفرق بين «اتقال لنا» و «اللي حصل».
يعني، حتى لو الدعم حقيقي، والأرقام صحيحة.. طريقة الإعلان، والنفي، والتبرؤ من الوعد.. بتوَصَّل رسالة واحدة للمواطن: إنت آخر من يعرف، وآخر من يُستشار، وأول من يدفع.
ولمّا وصلنا آخر خط في المسرحية الأصلية…
فيه محامية ذكية في المسرحية وهي «بورتشيا». قالت لشايلوك: تمام، خد حقك، رطل اللحم من قلب أنطونيو بالظبط.. زي ما مكتوب في العقد. بس بشرط واحد، متنزفش نقطة دم واحدة، لأن الدم مش مكتوب في العقد. يعني لو نزل دم، إنت هتتحاكم.
شايلوك وقف مكانه زي التمثال.. مش عارف يقطع لحم، من غير ما ينزل دم. مستحيل، وده كان الحكم اللي وقَف الظلم.
يا ريت لو تيجي «بورتشيا» في زمننا، لتقف في وش أي جهة.. بتطالبنا بسداد قروض ما اقترضناهاش. أو بتزود علينا فاتورة كهربا، كنا اتقالنا.. إنها مش هتزيد. وتقول نفس الكلام: «تمام، خدوا رطلكم من لحم المواطن، بس من غير ما تسيلوا دمه، ومن غير ما تنسوا اللي قلتوه بالأمس».
يعني اقطعوا لو لازم، بس متسيلوش الدم. متسيبوش الناس تنزف.. من غلاء ما بعده غلاء، ومرتبات ما بتكفيش نص الشهر، وفواتير.. بتيجي زي كشف الحساب.. من غير سابق إنذار، ووعود بتتبخر.. وكأنها متقالتش خالص.
وفي الآخر…
مفيش «بورتشيا» هتيجي تدافع عننا، ومفيش عقد هيتقرا بحرفيته، وشايلوك زمننا.. مش هيوقف عند حد. وهياخد قسط القرض من لحمنا ودمنا.
بس المهم إننا نتبين أننا – في المسرحية اللي بنعيشها – مالناش فيها دور بطولة، إحنا الكومبارس.. اللي بيدفع تمن التذكرة؛ يصفّق للوعد، ثم يدفع تمن نقضه.
أمرك عجيب.. يا محروسة!!
والسلام على من اتّبع الهدى.. وراح يدوّر على فلوس، يسدد بيها فاتورة الكهربا.. اللي حد «مجهول» وعده.. إنها مش هتزيد.