تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

الصين.. في كلمتين

M.Adam
زياد بهاء الدين 

زياد بهاء الدين

منذ بضع سنوات، أتيحت لي فرصة الإقامة في مدينة «شنزن» الصينية.. لثلاثة أشهر، والتدريس هناك في المعهد العالي للدراسات القانونية (باللغة الإنجليزية طبعاً!). وتقع «شنزن» في جنوب الصين؛ وتُعتبر من مراكز العلم والبحث والتكنولوجيا الأساسية، ومركزاً مالياً رئيسياً، كما أنها رمز للانفتاح الاقتصادي، إذ كانت أول قرية صغيرة.. تتحول إلى منطقة اقتصادية خاصة، قبل خمسة وأربعين عاماً. 

وبمناسبة زيارة رئيس الصين هذا الأسبوع لمصر، دعونا.. قبل البدء في توقع النتائج، نحاول فهم طبيعة هذا البلد المعقد، وإن كانت الصين – باختصار شديد، وفي كلمات قليلة – دولة غنية وقوية بلا شك. اقتصادها ثاني أكبر اقتصادات العالم.. بعد أمريكا، وعدد سكانها الثاني أيضاً.. بعد الهند، ومساحة إقليمها الثالث.. بعد روسيا وكندا. وقد حققت معجزة اقتصادية؛ بقدرتها على انتشال 800 مليون فرد.. من الفقر، إلى مساحات الطبقة الوسطى.. خلال نصف القرن الماضي. ولكن – وهنا تكمن المعضلة الأولى – فإنها تقع في المركز الخامس والسبعين.. من حيث متوسط دخل الفرد؛ بسبب عدد السكان. وهو ما يعني أنها لا تزال مصنفة.. ضمن الدول متوسطة الدخل، لا الغنية. 

والصين، عملاق الإنتاج الصناعي بلا منازع. فهي تنتج – وحدها – حوالي 30٪ من إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي، (وضعف الإنتاج الصناعي الأمريكي). وهي مثلاً.. «المكتسحة» للصناعات المعدنية، والمعدات والآلات، والكيماويات، وخام والإلكترونيات. أما في مجال السيارات الكهربائية، فهي فعلياً مسيطرة بالكامل. ولكن المعضلة الثانية.. أنها – كي تحافظ على هذا التفوق الصناعي – تحتاج باستمرار لاستيراد موارد طبيعية غير متوافرة لديها، وعلى رأسها البترول والغاز الطبيعي، وخام الحديد والنحاس، ومواد البوكسيت والنيكل والكوبالت. وهذا محدد أساسي.. لسياساتها التجارية، والخارجية، والأمنية. 

من جانب آخر، فإن الصين – مع تفوقها في العديد من المجالات الصناعية – لا تزال متأخرة عن أمريكا وأوروبا.. في عدة مجالات أخرى.. لا يستهان بها؛ بما فيها الجوانب الريادية المتقدمة (Frontier)؛ من صناعة الحواسب، والذكاء الاصطناعي.. (وإن كانت هذه فجوة تتجه الصين لإغلاقها)، والخدمات المالية، وبحوث الطيران والفضاء، وتقنيات الهندسة والتشييد، والأدوية والتكنولوجيا الحيوية، وغيرها. والسباق المحموم.. مستمر. 

وأخيراً، عند الصين دين داخلي كبير، ولكنها – من جهة أخرى – أكبر دائن للعالم. ومع كل مظاهر القوة الاقتصادية التي ذكرتها، فإن الصين تواجه تحديات أساسية؛ الانخفاض الحاد في أسعار العقارات خلال السنوات الماضية، الذي ضاع معه جزء من قيمة مدخرات الناس. فضلاً عن زيادة معدل الادخار – بأكثر مما هو صحي – إلى حد إضعاف الطلب والإنفاق المحليين، ومعهما الأجور والأرباح. وكذلك مقاومة الحكومات والدول الأخرى للصادرات الصينية؛ بسبب ما تعتبره ممارسات غير مشروعة، وإغراقاً.. يخالف قواعد التجارة الدولية.

أما سياسياً، فإن الصين لديها – ما يُعتبر – ثاني أقوى جيوش العالم (بعد الولايات المتحدة)، ونظام سياسي مستقر ومحكم.. تحت السيطرة الكاملة للحزب الشيوعي، وإن كان كثير من المعلقين.. يتوقفون عند التباطؤ الاقتصادي النسبي الذي تعاني منه الصين منذ بضعة أعوام، وما يمكن أن يؤدي إليه من قلق وتوتر بين الطبقات الوسطى الهائلة.. الباحثة عن فرص للتقدم في المستقبل. 

غير أن هناك عنصراً إيجابياً إضافياً.. لفهم «الحالة الصينية»، قد يصعب قياسه رقمياً، ولكن يجب أخذه في الاعتبار. وقد لمسته بنفسي.. في التعايش مع الطلاب والطالبات الشباب. هذا العنصر هو مستوى جدية في العمل، والاستعداد لتحمل المشقة، والعزيمة في الدراسة، والمثابرة على الظروف الصعبة، وكلها عوامل تؤثر مباشرة في إنتاجية المجتمع، وتنافسية الاقتصاد، وقدرته على تحمل الصدمات. 

… فما الذي يمكن لمصر أن تحققه.. من العلاقة مع الصين، ومن زيارة رئيسها؟ 

دعونا نحاول الإجابة على هذا التساؤل الأسبوع القادم.. بعدما تنتهي الزيارة، وتتضح ملامحها.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة