Times of Egypt

عام 26 صفحة 26 

M.Adam
وجيه وهبة 

وجيه وهبة

منذ مائة عام – وفي مثل هذه الأيام – من العام 1926، وبينما كانت معركة كتاب «علي عبد الرازق»؛ «الإسلام وأصول الحكم» تضع أوزارها، سرعان ما نشبت معركة أشد هولاً، تصاعد ضجيجها.. مع نشر كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين. وليست مصادفة، أن يكون مؤلفا الكتابين منتميين لحزب «الأحرار الدستوريين» النخبوي، الغريم القوي – نوعياً – لحزب «الوفد». ولأن الحياة الحزبية الديمقراطية في تلك الفترة، لم تكن في أزهى صورها، لكونها وليداً يخطو خطواته الأولى المتعثرة، لم يكن مستغرباً أن تلعب الألاعيب السياسة الانتهازية – ذات النكهة الدينية – دورها في تأجيج نار المعارك الفكرية.. مثلما كان الأمر في معركتي الكتابين السابق ذكرهما.

بدأت صحيفة «كوكب الشرق» – الوفدية – حملة التشهير بكتاب «في الشعر الجاهلي».. بنشر العديد من المقالات في نقده، وتوجيه الاتهامات القاسية لمؤلفه «طه حسين». ثم توالى دخول الصحف في الحملة، وعلى رأسها صحيفة «الأهرام». وأيضاً تتابعت الكتب المؤلَّفة للهجوم على الكتاب، منها على سبيل المثال، كتب المحمدين الخمسة؛ «محمد لطفي جمعة»، «محمد عرف»، «محمد الخضر حسين»، «محمد فريد وجدي»، «محمد الغمراوي». ولا ننسى بالطبع كتاب «مصطفى صادق الرافعي» «تحت راية القرآن». أما الشيخ اللبناني «رشيد رضا» (أستاذ «حسن البنا».. وصاحب مجلة «المنار» الإسلامية(، المستوطن بمصر، فلم يدَّخر جهداً في تكريس مجلته.. في بث سمومه للتطاول على المواطن «طه حسين»، ومن قبله المواطن «علي عبد الرازق».. متناسياً ما يفرضه الأدب واللياقة على «الضيوف» تجاه مواطني البلد «المضيف».

تُرى ما الذي أفزع كل هؤلاء وأغضبهم – هم وغيرهم وإلى يومنا هذا – ما الذي أفزعهم وأغضبهم من كتاب، هو مجموعة محاضرات أكاديمية.. عن الأدب واللغة، ألقاها أستاذ جامعي على تلاميذه في الجامعة المصرية؟ 

لا نظن أن الذي أغضبهم وأفزعهم هو فقط ما توصَّل إليه المؤلف (طه حسين) من أن معظم «الشعر الجاهلي» منحول، لم يُكتب في العصر الجاهلي قبل الإسلام، بل كُتب في عصور الإسلام الأولى – الأموي والعباسي – فقضية نحل الشعر قديمة، ولم يكن «طه» أول من تناولها. ولكننا نظن أن أكثر ما أفزعهم وأغضبهم.. هو «المنهج»؛ هو دعوة «طه حسين» إلى التفكير.. فالعقول الخامدة، المكتفية بما ورثته، تأنس بما حفظته، وتفزع من «التفكير». ولقد كان «منهج الشك الديكارتي».. (لفيلسوف القرن 17 رينيه ديكارت الفرنسي)، في جوهره دعوة إلى التفكير بعيداً عن المسلمات، وهو المنهج الذي اتبعه «طه حسين» في البحث.. لإثبات نحل الشعر الجاهلي. وكان أن قاده هذا المنهج أيضاً.. إلى ما جعله يعتقد بأن الإسلام لم تكن له الأسبقية التاريخية في الجزيرة العربية، وأن «القراءات السبع» للقرآن، لم تكن وحياً أُوحي به لنبي الإسلام، أما الطامة الكبرى قبل كل ذلك، فيمكن أن تعبِّر عنها تلك العبارة التي وردت بصفحات الكتاب الأولى والتي يقول فيها «طه»:

«للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن.. لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة، ونشأة العرب المستعربة فيها». (الطبعة الأولى، عام 1926، صفحة 26، ويا لها من مصادفة رقمية).

ونعتقد ـ كمنهج بحث، بعيداً عن مسألة الكفر والإيمان ـ أن تلك العبارة، تمثل بإيجاز.. نقطة محورية فارقة، في تاريخ «التنوير المصري».

… بعد تعدد الشكاوى، وارتفاع أصوات احتجاج هنا وهناك، كلف شيخ الأزهر (أبو الفضل الجيزاوي) لجنة مكونة من ثمانية من علماء الأزهر، للنظر في أمر الكتاب. اجتمعت اللجنة، ثم رفعت تقريراً طويلاً، جاء فيه:

«… قال الكاتب في كتابه: إنه بنى بحثه على التجرد من كل شيء – حتى من دينه وقوميته – عملاً بمذهب ديكارت الفرنسي، والكتاب كله مملوء بروح الإلحاد والزندقة، وفيه مغامز عديدة ضد الدين.. مبثوثة فيه، لا يجوز بحال أن تُلقى إلى تلامذة، لم يكن عندهم من المعلومات الدينية ما يتقون به هذا التضليل.. المفسد لعقائدهم، والموجب للخُلْف والشقاق في الأمة، وإثارة فتنة عنيفة دينية ضد دين الدولة ودين الأمة. وترى اللجنة أنه.. إذا لم تكافَح هذه الروح الإلحادية في التعليم، ويُقتلع هذا الشر من أصله، وتُطهر دور التعليم من (اللادينية) – التي يعمل بعض الأفراد على نشرها بتدبير وإحكام، تحت ستار حرية الرأي – اختل النظام، وفشت الفوضى، واضطرب حبل الأمن؛ لأن الدين هو أساس الطمأنينة والنظام. الكتاب وُضع في ظاهره لإنكاره الشعر الجاهلي، ولكن المتأمل قليلاً.. يجده دعامة من دعائم الكفر، ومعولاً لهدم الأديان، وكأنه ما وُضع إلا ليأتي عليها من أصولها.. وبخاصة الدين الإسلامي، فإنه تذرَّع بهذا البحث إلى إنكار أصل كبير من أصول اللغة العربية.. من الشعر والنثر قبل الإسلام، مما يُرجع إليه في فهم القرآن والحديث. هذا ما يرمي إليه الكتاب في جملته، ولنذكر نبذاً منه؛ بعضها كفر صريح، وبعضها يرمي إلى الإلحاد والزندقة…».

وبعد أن عرضت اللجنة – ما أسمته – «سطور من الكفر الصريح»، و«تركت – على حد قولها – ما ينطوي في ثناياه.. من الإلحاد والزندقة، مما لا يخفى على الناظر»، طالبت بـ «وضع حد لهذه الفوضى الإلحادية، خصوصاً.. التي تنبث في التعليم لهدم الدين، بمعول الزندقة كل يوم..». 

وما زال ملف الكتاب وقضاياه مفتوحاً.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة