د. أحمد يوسف أحمد
قدَّمت، في الأسبوع الماضي، اجتهاداً أولياً لقراءة مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية، ونوَّهت إلى أن ثمة سببين لذلك؛ أولهما: أن النصوص المتاحة للمذكرة كانت غير مؤكدة. والثاني: أن نهج المذكرة قائم على المرحلية، وبالتالي لا يمكن الحكم النهائي على مكاسب وخسائر طرفيها.. إلا باكتمال التنفيذ، وقد زال السبب الأول، وأصبحنا إزاء نص رسمي.. تطابق مع التسريبات.
والحقيقة أن السبب الرئيسي لترددي في اعتماد النصوص المُسَرَّبة.. كأساس للتحليل، هو ما بدا من أن مضمون المذكرة بالغ التوازن، على نحو بعيد تماماً عن مصطلح «النصر الحاسم».. الذى صرَّح ترامب في 8 يونيو بأنه سيعلنه في غضون أسبوعين؛ إذ إنه باستثناء التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووي إلى الأبد – وهو أمر كانت تعلنه دوماً، بل ودخلت في اتفاق مع الدول الكبرى (5+1) في 2015 التزاماً بهذا المبدأ – لا يوجد في المذكرة ما يمكن اعتباره تنازلاً جسيماً من إيران؛ ففتح مضيق هرمز.. يقابله رفع الحصار على المواني الإيرانية، ولم تشر المذكرة لأي قيود على الصواريخ الإيرانية، وكذلك لما يسمى بأذرع إيران في المنطقة، ناهيك بالنص على خطة لإعادة إعمار إيران.. بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، وإنهاء جميع أنواع العقوبات ضد إيران، والإفراج عن الأموال والأصول الإيرانية المجمدة، لدرجة أن كاتباً بوزن فرانسيس فوكوياما.. كتب – في 15 يونيو – مقالاً، وصف فيه سلوك ترامب بأنه «استسلام كامل» لإيران.
وهو معنى تردد كثيراً من جانب خصوم ترامب.. من الديمقراطيين الذين اعترضوا على الحرب أساساً، ووجدوا في مذكرة التفاهم ما يعزز انتقاداتهم، بل إن بعض الجمهوريين قد شاركوا في ذلك. ورغم الوضوح الكامل لمضمون المذكرة، فإن الحكم النهائي على أداء ترامب لن يكتمل.. إلا بإتمام عملية التنفيذ.. إن اكتملت؛ لأن ثمة من يتأبط شراً بالاتفاق، كما يبدو من السلوك الإسرائيلي بكل تجلياته.
ومع ذلك، فلا شك أن ثمة دلالات مهمة، يمكن استخلاصها مما جرى حتى الآن في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. وأولى هذه الدلالات – التي يناقشها المقال – هي ما يتعلق بما يمكن تسميته «جدل العالمي-الإقليمي.. في التفاعلات الدولية»، أو بعبارة أخرى ما هي العلاقة بين المستويين العالمي والإقليمي فيها؟ وهل هي علاقة في اتجاه واحد.. بحيث يؤثر الأقوى (العالمي) على الأضعف (الإقليمي)؟ أم أن المسألة تنطوي على نوع من التأثير المتبادل؟ وإذا كان هذا صحيحاً، ففي أي اتجاه وبأي درجة؟
يعلم المهتمون بدراسات النظم الإقليمية.. أن الفكر الذي ساد في هذا الصدد، كان ينظر للعلاقة بين الإقليمي والعالمي.. باعتبارها علاقة أُحادية الاتجاه؛ يسيطر فيها المستوى العالمي على الإقليمي.. وفقاً لمنهج «كن فيكون»، بمعنى أن ما يجري في أقاليم العالم، تحدده القوى الكبرى. وهو نهج يجد أساسه في الخبرة الاستعمارية.. حين سيطرت حفنة من الدول الأوروبية على ثلاث قارات. غير أنه مع صدامات الدول الكبرى – في الحربين العالميتين – وبداية حروب التحرر الوطني.. وتصاعدها، بدأ تبلور المدرسة الأحدث؛ وهي التي – وإن اعترفت بتأثير القوى الكبرى على تفاعلات الأقاليم – إلا أنها أكدت أن هذا التأثير.. ليس بالضرورة مطلقاً، وأن القوى الإقليمية يمكنها – بأساليب مختلفة – أن تخفف من هذا التأثير بل وتُحيِّده، وصولاً إلى أن يكون للقوى الإقليمية.. تأثيرها على القوى الكبرى.
وكلها معانٍ تدخل في صميم ما نحاول تحليله الآن؛ فقد صمدت إيران – منذ نجاح الثورة فيها عام 1979- أمام محاولات إخضاعها.. أو على الأقل تغيير مسارها بشتى السبل، ولم تكن إيران هي السابقة الأولى في هذا الصدد، فقد سبقها الفشل الأمريكي في فيتنام.. في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، ثم الفشل مجدداً في أفغانستان.. في العقدين الأول والثاني من هذا القرن. وصحيح أن قوتين كبيرتين – هما الاتحاد السوفيتي والصين – قد لعبتا دوراً في الهزيمة الأمريكية في فيتنام؛ بما يعني.. أن الفعل لم يكن إقليمياً صرفاً.
غير أن هذا لم يكن هو الحال في أفغانستان؛ حيث لم تحصل طالبان على مساعدة دولية تُذكر، كما أن التأمل في حروب التحرر الوطني العربية – في خمسينيات القرن الماضي وستينياته – يؤكد.. بما لا يدع مجالاً للشك، أن الفعل الرئيسي فيها كان إقليمياً. بل إن حروب التحرر هذه.. قدمت نموذجاً فريداً لتأثير ما هو إقليمي.. على ما هو عالمي،؛ فقد أدى الفشل الفرنسي في إجهاض حرب التحرير الجزائرية – بعد 4 سنوات من بدايتها – إلى الانقلاب الذي قام به الجيش الفرنسي في 1958، وأعاد ديجول للحكم.. لتسقط الجمهورية الرابعة، وتحل الخامسة محلها. ثم انتهى الأمر باستقلال الجزائر في 1962، وتكرر الأمر نفسه في البرتغال.. بانقلاب الجيش على نظام الحكم الاستبدادي هناك عام 1974، وحصول كافة مستعمراتها على استقلالها في العام التالي. ومن يدري فقد تكون المغامرة الأمريكية الأخيرة في إيران.. سبباً لتحولات داخلية في الولايات المتحدة؛ في مجرى رئاسة ترامب الحالية، وبالذات بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر القادم، إذا خسر ترامب أغلبيته التشريعية.
والخلاصة، أن ما آلت إليه الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران.. يؤكد قدرة القوى الإقليمية على الصمود – وإن بتكلفة فادحة – أمام محاولات القوى الكبرى تغيير مسارها. وأهمية الحالة الإيرانية الحالية، أنها جاءت في وقت بدا فيه أننا نشق طريقنا.. عائدين لأجواء الحقبة الاستعمارية؛ فقبل بدء الحرب بأقل من شهرين.. حدثت واقعة فنزويلا؛ التي اختُطف فيها رئيسها وزوجته، واقتيدا للولايات المتحدة.. لمحاكمتهما على ما نسبه ترامب لهما.
غير أن الخبرة الإيرانية أعادت البوصلة لاتجاهها الصحيح، ووَجَّهتنا للاهتمام بالمقومات المطلوب توافرها في قوة إقليمية ما.. كي يكون بمقدورها التصدي لمحاولات القوى الكبرى السيطرة عليها. وصحيح أن دروس الخبرة الإيرانية الأخيرة لن تكتمل، إلا بإتمام تنفيذ الاتفاق، لكن ما تراكم لدينا منها – حتى الآن – كافٍ للتوصل إلى استنتاجات مفيدة.
نقلاً عن «الأهرام»