أحمد الجمال
يحل موسم حصاد القمح، فيثير فى الوجدان معاني وذكريات، أعتقد أنها لم ولن تسقط بالتقادم.. عند من عاشوا وشاركوا فى طقوس الحصاد.
وقد انتميت لجيل سبقته أجيال – بغير حصر – عاش مع القمح رحلته.. من البذار إلى الحصاد والدراس والتذرية والتخزين، ولعل القمح – وحده – من بين الحبوب الذي يطلق عليه اسم «الغلة».. مفرد الغلال، التي معناها كل ما تنتجه الأرض من محاصيل الحبوب؛ كالأرز والبقوليات.. وكل ما يُتحصل عليه من دخل لعقار أو تجارة! وربما تشابه القمح مع الخبز؛ حيث حمل الأول اسم نوعه كله، وحمل الثاني – عندنا فى مصر – اسم العيش، يعني الحياة كلها! وقد عشت موسم البذار.. الذي يكون عادة فى الفترة من متصف نوفمبر إلى منتصف ديسمبر – وهي فترة توافق فترة من شهر بابة ومن شهر «هاتور» القبطيين المصريين – حيث ضرب المثل القائل: «هاتور أبو الدهب منثور».. كناية عن نثر حبوب القمح فى الأرض!
وكان بذر القمح فناً يبدعه الفلاح المصري.. الذي يحمل «البدارة»، (أي المقطف المصنوع من خوص النخيل)، وله أذنان.. إحداهما قصيرة والأخرى طويلة – لتحتمل تعليق المقطف فى الكتف – ومن كمية البذور، يقبض الفلاح المدرب قبضة بيمناه ثم ينثرها؛ مراعياً توازن كثافتها فى المساحة التي تنزل إليها، وتبدأ رحلة الإنبات والري والملاحظة الدقيقة.. ابتداءً من مدى احتياج المساحة لترقيع مسافات خالية من النبات؛ نتيجة لعدم حرفية «البذار»، أو لتلف الحبوب، أو لانقضاض العصافير والحمام واليمام على الحبوب المنثورة.. قبل إنباتها. ثم ملاحظة ما قد يصيب النباتات من أمراض أو جفاف، إلى أن تستطيل أعوادها، ويبدأ تكوين السنابل، ثم تكوين أجنة الحبوب.. داخل جيوبها الصغيرة؛ فيقال «النعمة نزلت فى الغلة»!
… وهو ما يقال أيضاً عندما يبلغ الفتى سن البلوغ، فيقال: «النعمة نزلت ظهره«.
وتستمر الدقة فى متابعة المحصول، وحمايته من الأمراض، ومن العصافير بأنواعها؛ التي أعرف منها العصفور المصري التقليدي الشائع، وهو كائن شديد الشراهة والفتك بالسنابل، والنوع الثاني هو «القُبَّرة» ضئيلة الحجم، التي شاع لها اسم فلاحي «أم فسية»، ولديها القدرة على تجهيز أعشاشها على أعواد القمح الرفيعة! وكنا صغاراً – قبل البلوغ ونزول النعمة – نتلقى التعليمات بالبقاء على رأس الغيط، ممسكين بأوانٍ من صفيح أو نحاس، ندق عليها بقطع من حديد أو حجارة زلط، ونصيح مع جلبة ضجيج الدق أو التخبيط: «حَمّ يايو.. على بلدك يايو.. سن السكين على قرن الديب.. على بلدك يايو».. وحم – حاء مكسورة وميم ساكنة مشددة – مشتقة من حمام، وكأنها فعل أمر.
والشيء بالشيء يذكر؛ إذ طالما صدرت عن الجهات الرسمية المشرفة على الأماكن المكشوفة، التي كانت تخزن فيها أجولة وزكائب حبوب الغلة.. تحذيرات جادة متكررة، من كميات القمح التي تلتهمها الطيور، بعد أن تثقب نسيج الأجولة، أو يتصادف وجود ثقوب.. تسمح بتدفق ما بداخل الجوال.
وعشنا الحصاد، الذي يبقى سهلاً فى الحقل.. بعد طلوع الشمس بفترة كافية، تكفي لتطاير أو تبخر قطرات الندى.. المتكثف ليلاً على الأعواد، فيجعلها طرية يصعب على «المنجل والشرشرة» قطعها، على عكس أعواد الأرز.. التي يتعين قطعها فى الصباح المبكر. وكان الاسم الدارج لعملية القطع هو «الضم».. ضم الغلة.. ضم الأرز، بينما العملية نفسها هي بالنسبة للبرسيم «حش»، وبالنسبة للفول «كسر»!
وفي الغيط يتم تحميل الإبل «الجمال» بحزم القمح، حيث كان يطلق على الكمية – التي يستطيع الرجل حملها بين ذراعيه المفرودتين – «غمر»، وجمعها أغمار. وكان التحميل على ظهر الجمل وهو بارك.. فناً بحد ذاته، ودراية بتوازن الحمل على الناحيتين، وربطه بالسلبة جيداً، والأهم هو معرفة الكمية التي يستطيع الجمل حملها؛ لأنها إذا زادت عن حدها.. فلن يستطيع أن ينهض، ولذلك ضرب المثل.. بالقشة التي قصمت ظهر البعير! والشيء بالشيء يذكر أيضاً، حيث للبعير – «الجمل» المؤهل لحمل الأحمال الثقيلة – مواصفات يعرفها الجمالون، الذين أنا منهم..
… كيف هي حالة عرقوبيه الخلفيين، وكيف هي حالة القرص الخش أسفل بطنه، وكيف هي حالة عينيه.. أهما مبصرتان أم أصابه العمى؟ وهما مفتوحتان!. وفي الأجران، يتم فك السلبة – حبل تيل أو كتان غليظ وطويل – فينزل الحمل على الأرض من الجانبين.. إلى أن ينتهي نقل المحصول. وتقام دائرة من الأعواد المتراكمة المرتفعة فى الجرن، ليوضع النورج عليها.. لتجره البهائم، ويجلس على «دكته» من يقودها مستيقظاً؛ كي لا تخرج عن «الرمية» – وهو الاسم الدارج لدائرة أعواد القمح – ولكي لا تنزل فضلاتها «الجلة» على القمح، ولذلك يبقى وعاء قديم.. معلق بجانب الشخص، ليفز واقفاً.. ماداً يده بالوعاء، ليستقبل «بطشة» الفضلات، ويطوحها بعيداً عن الرمية أو دائرة القمح.
وأخيراً، ربما كان ارتباطنا وولاؤنا ووفاؤنا للوطن.. مستمداً بدرجة كبيرة من دور الأرض فى حياتنا؛ حيث هي الغيط الذي يطعمنا، ويعود علينا بكل الخيرات والأموال، ولذلك صارت الأرض هي العرض والشرف، وصار «عواد» مسخة.. يزفونها بالسخرية، لأنه باع أرضه.
نقلاً عن «الأهرام»