أحمد الجمال
قبل أسبوع نُشِر هنا مقال سابق.. عن أصل حكاية «السلطة الرابعة» – التي شاع أنها الصحافة – ووجدت المعلومة الصحيحة عند الأستاذ هيكل.. في كتابه «السلام المستحيل والديمقراطية الغائبة.. رسائل إلى صديق هناك» الصادر عام 1980. وعرفت أن الرأي العام.. هو السلطة الرابعة مع السلطات الثلاث؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية. وتوقفت عند أن الكاتب والمفكر السياسي الإنجليزي «ويليام هازليت».. هو من أطلق على الصحافة صفة «السلطة الرابعة».
وأستكمل اليوم، بأن أعرض السؤال الذي طرحه الأستاذ هيكل.. «هل بيننا من يستطيع أن يتحمل حركة السلطة الرابعة في التطبيق»؟!
وهنا أعترف بأن مقدمة الإجابة عن السؤال، التي كتبها الأستاذ تُعد تحفة في مبناها ومعانيها masterpiece؛ حيث تكلم عن الرأي العام، والتأثير فيه، والتعبير عنه.
… «التأثير فيه: بهدف إقناعه بمصلحة عامة.. غطت عليها أسباب وأهواء أو ظروف أو قوى، تخدم التغطية على الحقائق أغراضها.. أما التعبير عنه، فهو بهدف إيجاد مطالبة عامة وفعالة، قادرة على إجماع صوتها، وتوجيه الأمور إلى ما يحقق أماناً وتطلعات وقيماً.. إلى آخره.
والهدف – في حالتي التأثير والتعبير – هو إيجاد قوة ضغط على السلطات الدستورية؛ لكي تفتح عينيها على مصالح لم تكن تراها، أو كانت تتجاهلها.. لأسباب أو أهواء أو ظروف، أو لكي تنسجم سياسات هذه السلطات.. مع الأحاسيس والمشاعر العامة والمزاج العام للجماهير، وهذه هي السلطة الرابعة.. الرأي العام».
ثم يتجه الأستاذ هيكل إلى أنه يكاد يقول.. إن هناك سلطة خامسة، هي «سلطة الثورة»، بمقدار ما أن سلطة الرأي العام هي السلطة الرابعة – التي توجه وتضغط على السلطات الدستورية الثلاث، لكي تنتبه وتنسجم – ولكن ماذا إذا عجزت السلطات الدستورية عن التنبه أو الانسجام.. أمام قوة ضغط رأي عام، تكشف أمامه مصلحة، واقتنع بها، أو تحركت وتركزت قواه لمطالب.. أكثر انسجاماً مع أحاسيسه ومشاعره ومزاجه؟ ماذا يحدث إزاء هذا العجز عن التنبه والانسجام؟ أليس مثل هذا العجز- إذا وقع – هو الذي يعطي الثورة شرعيتها؟
أليس معنى الثورة الحقيقي.. هو أن مجموع الناس في بلد من البلدان، يجدون أن النظام الحاكم فيهم.. فقد وعيه بمصالح وطنية، وضيّع صلته بمشاعر جماهيرية، ومن ثم فقد سقطت شرعيته.. المستمدة من إرادتهم وسيادتهم؟
فإذا كان ذلك هو المعنى، فهل نستطيع – فعلاً – أن نقول إن السلطة الرابعة.. هي درجة وسيطة بين السلطات الدستورية الثلاث – المقررة في الدساتير – وبين السلطة الخامسة.. «سلطة الثورة»؟
… الكلام ما زال للأستاذ محمد حسنين هيكل من كتابه الذي ذكرته، وفيه أيضاً يتساءل الأستاذ تساؤلاً مهماً هو: هل نستطيع أن نتصور تصاعد حركة الفعل بين كل هذه السلطات.. على نحو قريب من السلم التالي:
1 – تحس الجماهير بأن سياسة نظام ما، قد ضيّعت (فقدت) حساسيتها بالتنبه لمصالح، أو الانسجام مع أحاسيس ومشاعر ومزاج.
2 – تبرز السلطة الرابعة – بالتأثير أو التعبير – لتمثل حركة رأي عام.. يحاول إقناع النظام بأن يتنبه وينسجم، فإذا حدث التنبيه والانسجام.. فكل شيء أمان وسلام. ولكن ماذا.. إذا لم يحدث؟!
3 – إذا لم يحدث، تحولت العلاقة بين الجماهير والنظام إلى علاقة تناقض رئيسي وصدام؛ لأنه ما دام النظام قد عجز عن تغيير سياساته.. فإن أصحاب الحق الأصلي، يتولون بأنفسهم تغييره هو.
وبعدها يكمل الأستاذ هيكل تساؤلاته: هل نستطيع أن نقول إن ذلك السُّلّم في التصاعد صحيح؟ رأي عام.. (سلطة رابعة سياسية وليست دستورية).. يحاول إقناع سلطة (حكم) سياسية بالتغيير.
فإذا فشلت عملية الإقناع، وجدنا أمامنا حركة جماهير.. تفرض التغيير. سلطة خامسة.. سلطة سياسية هي الأخرى وليست دستورية. ثم يعترف الأستاذ هيكل.. بأنه لا يستطيع أن يقطع برأي في تلك التصورات، ويدعو للبحث فيها، خصوصاً إذا لاحظنا أن هناك ظواهر تتلازم دائماً.. مع نظم الحكم المطلق.
الظاهرة الأولى: هي أن كل نظام مطلق.. يحرص أولاً على إحكام سيطرته على أدوات ووسائل التأثير في الرأي العام، أو التعبير عنه؛ التليفزيون والإذاعة والصحافة إلى آخره؛ تحوطاً ضد حركة السلطة الرابعة.
والظاهرة الثانية: هي أن كل نظام حكم مطلق.. يحرص أولاً على إحكام سيطرته على أجهزة القوة في الدولة؛ تحوطاً ضد حركة السلطة الخامسة.
ويختم الأستاذ هذه المقدمة.. بسؤال لصديقه الذي هناك: ما هو رأيك في كل هذا الذي قلته؟!
وربما لو كنت أنا ذلك الصديق، لقلت له: تمام.. سأنقل أسئلتك لدائرة أوسع.. وناقل الكفر ليس بكافر.
نقلاً عن «الأهرام»