سمير مرقص
- «العنف كنظام ثقافي»
قبل ستة أشهر – في 18 فبراير 2026 – كتبت مقالاً بعنوان: «الافتراس المجتمعي»؛ حول ما أطلقت عليه «الهوبزية الجديدة» (نسبة إلى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز 1588- 1679؛ الذي صاغ فكرة قانون الحق الطبيعي، حيث يأخذ الإنسان حقه بيده.. فيما عُرف بحرب الجميع ضد الجميع، أو كيف يكون الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان).
في ذلك المقال، تحدثت عن العنف المجتمعي وأنماطه الجديدة، واستباحته لدرجة لا تُعقل، إذ لم يعد يُمارَس بين غرباء أو خصوم فقط، بل بين الأقرباء والحلفاء، وتزايد معدلاته وصوره البشعة اللاإنسانية.
وأتصور أنه لا يختلف أحد.. على أن «الافتراس المجتمعي» قد تجاوز كونه ظاهرة عابرة، إلى أن يكون حالة نشطة.. في الواقع الاجتماعي المصري. تعكس هذه الحالة – يقيناً – تحولاً عميقاً في أنماط السلوك والعلاقات الاجتماعية بصورها المختلفة؛ الأسرية، والجيلية، والمهنية… إلخ، جوهره العنف، لحسم أي جدال أو سجال أو نزاع. وفي محاولة لتفسير العنف الذي شاع، مالت كثير من التفسيرات إلى أن سببه هو الفقر وعدم التعليم، والتخلف الثقافي.. إلا أن تمدُّد العنف إلى دوائر الأثرياء، والمتعلمين تعليماً متميزاً، والمنفتحين على ثقافة العالم الجديد – بدرجة أو أخرى – قد دحض حصر العنف في الأوساط الدنيا أو العشوائية فقط؛ ما يعني أن العنف – كفكرة وسلوك وأداء – قد تجاوز كونه استثناءً، إلى أنه بات أحد عناصر النظام الثقافي.
(2) «قانون الشارع»
إن ما نراه اليوم، ليس عودة ميكانيكية إلى حالة الطبيعة.. التي وصفها «هوبز»؛ فحالة الطبيعة، لا توجد فيها مرجعيات/مؤسسات تربوية وتعليمية وثقافية وقانونية، بينما عالم اليوم.. يمتلك الكثير من الأطر المؤسسية، التي من شأنها حماية المواطنين من شتى التهديدات. إلا أن ما تشير إليه وقائع العنف (الحالية) المتتالية بصوره البشعة، هو أن ممارسي العنف.. يوجه سلوكهم العُنفي ما يعرف في الأدبيات بـ «قانون الشارع Code of Street»؛ حسب عالم الاجتماع الأمريكي «أليجاه أندرسون» (83 عاماً).. في كتابه المرجعي المهم الذي حمل هذا العنوان.
ففي هذا الكتاب، استطاع المؤلف أن يحلل وقائع العنف المجتمعي.. من خلال فهم منطقها الداخلي؛ أي الأسباب التي تؤدي إلى وقوعها، والتي تعود في المجمل لضعف البنى المؤسسية.. في فرض القواعد المُتفق عليها، لتسيير الحياة الخاصة والعامة للأفراد. ومن ثم تتكون بنود بديلة غير مكتوبة، وقواعد غير رسمية – تُعرف بقانون الشارع – توجه أفعال هؤلاء الأفراد (street -oriented code).. بغرض حماية أنفسهم من أي تهديدات، واقتناص الفرص/الحقوق من مستحقيها، ولتحقيق قصاص ناجز وعاجل.. خارج إطار القانون.
وظني، أن أي مواجهة لهيمنة قانون الشارع – على حساب القوانين المنظمة لشتى مناحي الحياة – تبدأ من معرفة نصوصه غير المدونة، والأسباب المجتمعية التي أدت إلى تزايد اللجوء إلى العنف، والأخطر «شرعنته» وتبريره. وبالأخير، يصبح العنف ممارسة ثقافية.
(٣) «صور العنف»
بهذا المعنى، يرصد «أندرسون» كيف أن العنف الغريزي الفوضوي- الهوبزي- قد أصبح فكرة متضمنة في المنظومة الثقافية، يوجه تجلياتها السلوكية والعملية قواعد غير مدونة «شارعية»، إن جاز التعبير، تجور على المرجعية القانونية المدنية. في هذه الحالة لا يعود الآخر مواطناً شريكاً في المجال العام، وإنما يتحول إلى منافس أو عقبة أو خصم لابد من التخلص منه متى امتلك ممارس العنف الفرد القوة أو الفرصة المناسبة.
بالطبع، تتعدد صور العنف التي يمكن ممارستها، للتخلص من هذا الخصم أو ذاك المنافس. فقد يكون مادياً؛ كما في الاعتداء الجسدي، وقد يكون رمزياً.. كما في الإهانة والتشهير والتنمر والإقصاء. وقد يكون اقتصادياً.. كما في استغلال حاجة الأضعف، وقد يكون معنوياً.. كما في حالة القتل المعنوي للشخص. وقد يكون رقمياً.. كما في حملات التشهير والتحريض والابتزاز. وقد يكون بالتهميش البنيوي.
(4) «في مواجهة تغليب العنف وتغييب العقل»
المعركة الحقيقية إذن.. ليست ضد العنف، وإنما في مواجهة منطق ثقافي/اجتماعي كامل.. يجعل القوة العنفية – العمياء والعشوائية والمجنونة – بديلاً للقانون. وفرض الهيبة قسراً.. بديلاً عن الالتزام المدني بمؤسسة العدالة. والثأر.. بديلاً عن التفاوض السلمي الحضري. والإكراه.. بديلاً عن الحوار. والإقصاء.. بديلاً عن المواطنة والشراكة.
لذا علينا – إضافة إلى التشديد في تطبيق القوانين – فهم لماذا يحضر «قانون الشارع» في حياتنا بقوة.. في شتى فضاءات حركة الفرد؛ الأسرة، والدرس، والعمل، حتى فضاء الترفيه. ولماذا يتسارع التصعيد في مواقف عادية بين الأفراد.. لدرجة إسالة الدماء، ما يتطلب دراسة الاختلالات البنيوية؛ التي أدت إلى هيمنة ثقافة العنف، وتطبيق قانون الشارع فوراً، واستباحة العنف ضد بعضنا البعض.. صلباً كان أو ناعماً.
إن إدراك لماذا يتم تغييب العقل/الرشد القانوني.. في إدارة مشكلات الحياة، والإخفاق في تسوية النزاعات اليومية، هو الخطوة الأولى لمواجهة العنف الناجم عن تغليب قانون الشارع، وخصخصة القوة.
بمعنى آخر، كيف نحول دون استباحة العنف في حياتنا اليومية؟ وكيف يتم تفكيك بنية العنف والسياق المُنتج له؟ وكيف نوقف تمدد الافتراس المجتمعي؟
نقلاً عن «المصري اليوم»