عبد الله السناوي
بذرائع متناقضة، حمّل كل طرف الآخر.. مسؤولية خرق الهدنة الهشة على الجبهة الإيرانية.
لم تكن الاشتباكات المتكررة عشوائية، بقدر ما كانت اختباراً بالفعل ورد الفعل.. لأوضاع القوة القلقة حول مضيق هرمز.
الطرفان الأمريكي والإيراني.. لا يرغبان في خوض جولة جديدة، واسعة ومدمرة، من الحرب.
هذه حقيقة سياسية وعسكرية، تضع قيوداً غليظة على احتمالات انفجار كتل النيران من جديد.
كلاهما محكوم بحسابات واعتبارات.. تردع الفكرة نفسها.
الإيرانيون منهكون اقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً، لكنهم غير مستعدين لخسارة أية أوراق تفاوضية يحوزونها.. مجاناً، ولا توجد لديهم أدنى ثقة.. في أية وعود يقطعها على نفسه الطرف الآخر.
البيت الأبيض – بالمقابل – واقع تحت ضغط الرأي العام، الذي يناهض الحرب، والتورط في مستنقعها.. بأغلبية كبيرة، تنذر بخسارة الجمهوريين انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونجرس نوفمبر المقبل.
هذه سوف تكون هزيمة سياسية موجعة – وغير محتملة – للرئيس الأمريكي «دونالد ترامب».
«لن نمنح إيران فرصة الحصول على السلاح النووي، الذي لن تتردد في استخدامه ضد إسرائيل، والدول الأوروبية.. وأمريكا أيضاً».
العبارة بنصها – المنسوبة إلى «ترامب» – تكشف مدى التراجع الفادح في أهداف الحرب؛ من إطاحة النظام الإيراني، وإنهاء برنامجيه النووي والصاروخي، ووقف دعم وتمويل ما يسمى أذرعها في المنطقة – خاصة حزب الله في لبنان – إلى مسألتين محددتين: مضيق هرمز، وتخصيب اليورانيوم.
إنها هزيمة استراتيجية محققة، أن يطالب «ترامب» بالحصار، والتلويح – من وقت لآخر – بإعادة إيران إلى العصر الحجري، أن يخفف وطأتها بإنجاز واضح في المسألة النووية، كأن تسلمه طهران مخزونها من اليورانيوم المخصب، أو تقبل بنقله إلى دولة أخرى، روسيا مثلاً.
بتعبير فيه نفاد صبر – كان يزيد من وطأته قرب زيارته إلى الصين (قبيل الزيارة): «إنهم يريدون التفاوض أكثر مني، ومن الأفضل أن يوقعوا الاتفاق بسرعة»، لكنه كان يبدو غير واثق، فـ«الاتفاق قد يحدث، أو لا يحدث».
كان توقيت الزيارة ضاغطا إضافيا على أعصابه، يريد أن يزور بكين وهو في مركز قوة، لا مترنحاً، يطلب المساندة في الخروج بأسرع وقت.. من ورطته الإيرانية.
هو يدرك نصف الحقيقة: «الإيرانيون وصلوا إلى نهاية الطريق». لكنه لا يريد أن يعترف أنه وصل إليها قبلهم!
فرضية نهاية الطريق، دعته إلى سيناريو أخير.. يفرض الحصار البحري لخنق الاقتصاد الإيراني المنهك، لكن الوقت يمضي دون أن يتبدى أمل قريب.
وفق ما هو منشور في الصحافة الأمريكية، منسوباً للاستخبارات المركزية، فإن بوسع الإيرانيين تحمل الضغوط الاقتصادية، وتبعات الحصار البحري على قدرة تخزين نفطها، لأربعة شهور مقبلة.
هذه الفترة، أطول مما بوسع أعصاب «ترامب» أن تحتمله.
التخطيط الأمريكي والإسرائيلي المشترك.. لإطاحة النظام، بداعي تراكم أسباب الغضب الاجتماعي، فشل تماماً بالحرب.
ما حدث هو العكس تماماً.
استدعت الحرب ما هو راسخ ومتجذر.. في بلد حضاري عريق، للوقوف معاً في خندق واحد.. دفاعاً عن البلد ومقدراته وثرواته.
الأزمة الداخلية تأجلت بالحرب، لكنها ما زالت ماثلة – بصورة أو أخرى – وتضع قيوداً لا يمكن إنكارها.. على ثنائية التفاوض والحرب.
إنها حرب على الوقت، ومن يصرخ أولاً؟
أحد أوجه المأزق الأمريكي الحالي، أن الرئيس مضطرب، وإدارته تفتقر إلى كفاءة إدارة قوة عظمى.
كان فشلها ذريعاً.. في إنجاز نتائج على الأرض يقول «ترامب» بمقتضاه.. إنه نجح فيما فشل فيه الرئيسان السابقان «باراك أوباما» و«جو بايدن».
إثر كل مرة تُخرق فيها الهدنة الهشة أمريكياً، يؤكد «ترامب»: «وقف إطلاق النار ما يزال سارياً.. والمفاوضات لم تتوقف».
«كل شيء محتمل في أية لحظة، التوصل إلى اتفاق، أو العودة إلى الحرب».
يبدو متعجلاً تماماً، تكاد أعصابه أن تفلت بمضي الوقت.. دون التوصل إلى اتفاق يلبي اشتراطاته، أو يحفظ ماء وجهه.
إنها حرب استنزاف للوقت والأعصاب معاً.
هكذا يدرك الإيرانيون أصول ثنائية التفاوض والحرب.
«ندرس حالياً المقترح الأمريكي، الذي وصلنا عبر الوسيط الباكستاني».
دراسة على مهل، واستعداد – في نفس الوقت – لكافة الاحتمالات.
«كلما بدا الحل السياسي ممكناً، يتبدى عمل عسكري أمريكي متهور».
«لا نهتم بالمهل الزمنية والتهديدات» التي يطلقها «ترامب».. مرة بعد أخرى.
كان ذلك تلخيصاً إيرانياً لفجوة عدم الثقة في الأداء الأمريكي، وفق تصريح وزير الخارجية الإيراني «عباس عراقجي».
«الإيرانيون يتعرضون دوماً للضغوط، لكنها لا تنجح معهم».
كان ذلك تلخيصاً آخر لسياسة.. التحدي إلى آخر الشوط.
نحن أمام إرادتين واستراتيجيتين متناقضتين تماماً.
فشلت جولات التفاوض واحدة إثر أخرى.
كان ذلك الفشل محتوماً.. بقدر عمق التناقضات.
مع فشل العمل العسكري الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران، بدأ التفكير في الخنق الاقتصادي.. حد الاستسلام، لكنها انتقلت إلى ما أسمته «الجهاد الاقتصادي».
الأولوية: إنهاء الحرب.. بضمانات دولية.. على كل الجبهات.
الاستراتيجية التفاوضية الإيرانية تتبنى رفع الحصار البحري، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز كاملاً، وتأجيل الملفات الملغمة؛ كالملف النووي.. إلى مرحلة لاحقة، تُرفع فيها العقوبات المفروضة عليها، وتُستعاد المليارات المجمدة في البنوك الغربية.
إنها تطلب ـ بالضبط ـ أن تعترف الولايات المتحدة.. بأنها تلقت هزيمة استراتيجية كاملة في الحرب؛ لا النظام سقط، ولا المشروعان النووي والصاروخي الباليستي تقوضا، ولا انحسر نفوذ إيران لدى شركائها الإقليميين.
بالمقابل، تطلب الاستراتيجية التفاوضية الأمريكية.. إجبار الإيرانيين؛ بإحكام الحصار، والتلويح بحرب مدمرة، على تقديم تنازلات جوهرية.. عجزوا عن الحصول عليها بالسلاح.
إذا ما وافقت إيران على مثل هذه التنازلات؛ خاصة مشروعها النووي، فإن شرعية نظامها تهتز بعمق، ويكون السؤال مشروعاً حينها: لماذا بُذلت التضحيات الجسيمة.. من حصار وعقوبات وحروب؟!
لهذا السبب بالذات – شرعية النظام ومستقبله – لن يتراجع الإيرانيون؛ ربما يناورون، أو يتقبلون حلولاً وسطاً، دون تنازل جوهري واحد.. ينال من التضحيات الهائلة، التي بُذلت في ميادين الحرب.
نقلاً عن «الشروق»