وجيه وهبة
طوال رحلة طه حسين العلمية، وحتى حصوله على أعلى الدرجات العلمية الأكاديمية.. من «مصر» و«فرنسا»، وحتى ارتقائه أعلى درجات السلم الوظيفي، وتمتعه بشهرة أدبية ومكانة متميزة.. في كل بلدان العالم العربي، لم ينسَ «العميد» طوال رحلته الشاقة تلك.. أهله وناسه، أصله ومنبته، حيث وُلد لأسرة فقيرة فقراً مدقعاً، في قرية نائية من قرى صعيد مصر، تابعة لمحافظة «المنيا»، فكان قلمه مسخراً – طوال حياته – دفاعاً عن المظلومين والمطحونين.. هؤلاء الذين عاش معاناتهم، والذين هم الأغلبية الكاسحة من أبناء وطنه. وكان التزام «عميد الأدب العربي» الواضح.. بقضايا الوطن السياسية والاجتماعية، ومقاومة الفقر والجهل.. التزاماً أصيلاً؛ لم يتغير بتغير الولاء الحزبي، ولم يتأثر بالمناورات السياسية. وفي فترة الأربعينيات من القرن الماضي، نشر «العميد» عديداً من المقالات، والقصص والصور القلمية، المعبرة عن ذلك الالتزام، نعرض شذرات لبعض منها.
في مقال له بعنوان «جوع وأحاديث» (عام 1947)، يعلق «العميد» على خطبة العرش بسخريته المعهودة فيقول: «كانت رائعة بارعة.. خُطْبة العرش – التي أَلْقَاها رئيس الوزراء في البرلمان – صَوَّرَتْ لنا الحياة المصرية كأحسن ما تكون حياة الأمم؛ حكومة جادة لا تنام ولا تُنِيم، وشَعْب عامل لا يُرِيح ولا يستريح! وقد رَضِيَت الحكومة عن نَفْسها، فأثْنَتْ على نفسها، ورَضِيَ البرلمان عن الحكومة.. فصفَّق للحكومة، وسَمِعَ الشعب للحكومة تقول، وللبرلمان يُصفِّق، فَرَفَعَ الأكتاف وهزَّ الرءوس، وتَرَكَ الخلق للخالق، وأَقْبَلَ المُترفون على تَرَفِهم يَنْعَمُون بغير حساب، وأَقْبَل المحرومون على حِرْمانهم يألمون بغير حساب، وتَذَبْذَبَ بين أولئك وهؤلاء فريق من أوساط الناس.. يأكلون في غير شبع، ويشربون في غير ري، وكُلُّهم راضٍ بما كان، مطمئن لما هو كائن، مُسْتَعِدٌّ لما سيكون، واثق بأن مصر هي كنانة الله في أرضه، وهي جنة الدنيا، وزينة العالَم، وقائدة الشعوب العربية.. إلى المجد المؤثل، الذي لا يُشْبِهُه مجد، والفخار الذي لا يُدانيه فخار!».
ويواصل: «وفي أثناء هذا كله، كان المواطنون يموتون مئات، ويَمْرَضون مئات، يتخطَّفُهُم هذا الموت الطارئ، ويَصْرَعُهم هذا الموت الطارئ، ومِنْ حَوْلهم ألوف وألوف.. يَتَخَطَّفُهم الموت العادي الذي لا يحمله الوباء (يقصد وباء الكوليرا)، ويصرعهم المرض العادي الذي لا يَحْمِله الوباء أيضاً. وفى أثناء هذا كذلك كانت ملايين من المواطنين، تَنْعَم بالجهل الذي يحجب عنها حقائق الحياة، فلا ترى ما هي فيه، ولا تُوَازِن بين حياتها وحياة غَيْرها من أبناء الأوطان الأخرى.. وكانت هذه الملايين – في أثناء ذلك أيضاً – تَنْعَم بفقرها الذي يَشْغَلُها بالتماس القوت، وإطعام العِيال وكسوتهم.. دون أن تجد ما تَسْعَى إليه، ولكنه يَشْغَلها على كل حال بذلك.. عن التفكير في حياتها، والموازنة بينها وبين حياة غيرها من أبناء الأوطان الأخرى!».
«كان هذا كله يَحْدُث في الصحف – من يوم الأربعاء الثاني عشر من شهر نوفمبر – بينما كان رئيس الوزراء يُنبئ البرلمان بما فَعَلَت الحكومة وبما ستفعل، مُوَفَّقَة في الماضي والمستقبل.. لإنقاذ الشعب من الموت والمرض، ومن الفقر والجهل، ولتمكين مصر الخالدة المجيدة.. مِنْ أن تَرْفَع رأسها العظيم الكريم بين الأمم الراقية، التي لم تَبْلُغ ولن تَبْلغ ما بَلَغَت مصر من المجد والفخار!».
ويختتم «العميد» مقاله متهكماً: «.. فنحن أفصح الناس كلاماً، وأَرْفَع الناس صوتاً، وأَبْرع الناس في الحركات والتمثيل.. ونحن – مع ذلك – مضرِب المثل في البؤس، والجهل، المرض،..». «فلْنَبْتَهل إلى اللَّه، في أن يُبْرِئنا مِنْ عِلَّة الكلام الكثير، فلعلنا إنْ بَرِئْنا من هذه العلة.. أن نَجِدَ العزاء عن آلامنا وكوارثنا في العمل الذي يزيل الآلام، ويمحو الكوارث، ويُجْلِي الغمرات!». ا.هـ
وفى مقال بعنوان «الخوف» (عام 1947 أيضاً)، يتحدث العميد عن التغيرات الوزارية، وما يستتبعها من سلوكيات سلبية لموظفي الدولة، خوفاً على أرزاقهم، ومصالحهم.. «فالموظف قد أَلِفَ من الوزراء والرؤساء.. أن يُخاصم مَن يخاصمون، ويُوالي من يوالون، حتى أصبح يرى ذلك واجباً عليه، وحتى أصبح يرى رِزْقَه مُعرَّضاً للخطر.. إن خاصم وليّاً للوزير، أو وَفَى لخصمٍ من خصوم الوزير. وكذلك تَفْسُد الطبيعة الديمقراطية والفِطرة الحرة.. وكذلك تَفْسُد الصِّلات بين الناس، ويقوم الكذب والنفاق والقطيعة مَقام الصدق والإخلاص والتواصُل. وكذلك تضيع مصالح الناس ومنافعهم؛ لأن الموظفين مضطرون إلى أن يَرْعَوْا في خدمة هذه المصالح والمنافع أهواء الوزراء والرؤساء؛ لا أصول الحق والعدل والقانون، وكذلك تُهْدَر الكرامة والعزة، ويُصبح الموظف عبداً للوزير وخادماً للرئيس، لا يملك مِنْ أَمْر نَفْسِه شيئاً، وقد استقر في قلبه – خطأً أو صواباً – أنه موظف عند الوزير والرئيس، لا عند الدولة التي هي فوق الوزير والرئيس..».
ويختتم «العميد»: «ولست أعرف شيئاً يُفسِد الأخلاق ويملأ الحياة العامة – شراً ونُكراً – كالخوف، ولست أعرف شيئاً يُصلِح الأخلاق ويملأ الحياة العامة والخاصة – خيراً وعُرفاً – كالأمن.. فهل من سبيل إلى أن تُعصَم قلوب الموظفين من الخوف، وتَطْمَئِنَّ نفوسهم إلى الأمن لتقوم حياتهم وصِلاتهم على ما تقتضيه الطبيعة الديمقراطية والفطرة الحرة من الصدق والإخلاص والوفاء ورعاية الكرامة والارتفاع عما يُذِلُّ ويُهِين؟!». ا.هـ
كان البصير؛ «طه حسين» مقاتلاً شجاعاً في معارك التنوير.. في النصف الأول من القرن العشرين، في مختلف ميادينها؛ السياسية والثقافية والاجتماعية. مدافعاً صلباً عن الحرية والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.
نقلاً عن «المصري اليوم»