Times of Egypt

جيش مصر وشعبها

M.Adam
د. أحمد يوسف أحمد  

د. أحمد يوسف أحمد

شاركت يوم السبت الماضي.. في مناقشة بحثين – من البحوث المقدمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الزمالة.. من كلية الدفاع الوطني، التابعة للأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية – والتي تتميز بأنها تجمع في دارسيها بين العناصر العسكرية والمدنية، بهدف تزويدهم بالمعارف اللازمة لتأهيلهم.. كي يكونوا مستعدين للوفاء بمهامهم القيادية في المستقبل، من خلال منظور يتبنى نظرة علمية شاملة لمفهوم الأمن القومي.

 وقد بدأت علاقتي بكلية الدفاع الوطني مُجَنَّداً.. في النصف الثاني من عام ،1978 بعد حصولي على درجة الدكتوراه، فقد أُجِّل تجنيدي لما بعد الحصول عليها، وكان هذا سبباً في توزيعي (وأخي العزيز المرحوم كمال المنوفي) على الكلية.. بالنظر للطابع الأكاديمي لوظيفتها، ومثلت الكلية أول خبرة مباشرة لي مع المؤسسة العسكرية المصرية. ومن خلالها، تعرفت على نماذج رفيعة من العسكريين المصريين، من قيادات الكلية؛ على رأسهم اللواء حسني عيد رحمه الله – أول مدير للكلية فيما أظن – بل ومثل التعامل المباشر مع دارسيها.. فرصة لمعرفة نماذج مشرفة من القيادات العسكرية الوسيطة الشابة.

وبعد انتهاء مدة تجنيدي بسنوات، تحول موقعي في الكلية من الجندي إلى المحاضر.. في القضايا المرتبطة بتخصصي، والمشرف على بعض البحوث (أو المناقش لها) التي يقدمها الدارسون.. لاستكمال متطلبات الحصول على زمالة الكلية. وعبر العقود، لا أذكر أنني كتبت شيئاً ذا بال.. عن خبرتي في التفاعل مع كلية الدفاع الوطني، لكن شيئاً جديداً حدث – في مناقشة السبت الماضي – جعلني أعتقد أن من واجبي.. أن أكتب عنه، إنصافاً لشعب مصر وجيشها. 

ولا بد أن أشير أولاً.. إلى الحضور اللافت لأسرة الباحث – وعلى رأسها والدته وزوجته وأولاده – وهو ما يطمئنني دائماً على سلامة جيش مصر وشعبها؛ ذلك أن التأمل في القاعدة التي يستند إليها هذا الجيش العظيم، يؤكد – من الوهلة الأولى – أنه من الشعب وإليه؛ فهو يستند في تكوينه إلى ما سماه يوماً عالم الاقتصاد الراحل الجليل سعيد النجار «الطبقة المصرية الوسطى النبيلة»، وكان ذلك بمناسبة تأبينه الرائع للمرحوم زكي شافعي.. أول عميد لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية. وقد كنت ومازلت أستمتع دائماً بمشاهدة احتفالات الكلية الحربية – في المناسبات المختلفة التي يحضرها أهالي الدارسين بالكلية – ذلك أن هذه الاحتفالات.. تؤكد – للوهلة الأولى – أن هؤلاء الدارسين.. هم خير ممثلين لشعبهم المصري العريق، الذي لا يوجد له مثيل في تماسكه، والذي أعتبره أهم عوامل القوة المصرية؛ ومن هنا الطابع الوطني الأصيل.. الذي تميز به هذا الجيش؛ فكان دوماً سنداً لشعبه، وليس عبئاً عليه، أو سيفاً مسلطاً على رأسه.. في أي وقت من الأوقات، على العكس تماماً مما نشاهده في تجارب بلدان أخرى. 

وهكذا شهد التاريخ دائماً على الأدوار الحاسمة، التي لعبها جيش مصر في تأمين شعبه وحماية استقراره، وتوفير الظروف المثلى لتقدمه. غير أن كل ما سبق، لم يمثل العامل الحاسم الذي دفعني لكتابة هذا المقال، وإنما تمثل هذا العامل.. فيما كنت قد لاحظته؛ بخصوص وجود بعض من أبناء سيناء بين الحضور. وكان مبعث دهشتي، هو ثقتي بأن الدارس الذي أناقشه لا ينتمي جغرافياً لسيناء، ثم تكشفت أبعاد الصورة الرائعة بالتدريج؛ ففي تقديم الباحث أولاً أُشير إلى أنه خدم في سيناء، ولعب دوراً متميزاً في مكافحة الإرهاب فيها.. في تلك الأيام الصعبة الحالكـة. 

ثم جاء عرض الباحث لمحتوى بحثه ثانياً، وختم عرضه المتميز.. بتوجيه الشكر لأسرته وزملائه، وكل من ساعده، وخص بالشكر أهل سيناء.. الذين كانوا خير سند له، في معركته وجنوده ضد الإرهاب فيها، والذين حضر بعضهم ليشاركوه فرحته، فاكتملت بذلك أبعاد الصورة الرائعة.. التي هزتني من الأعماق؛ بخصوص مصر وجيشها وتلاحمه مع شعبها، فهو يدفع عن هذا الشعب أي خطر خارجي، وعندما تسلل الخطر إلى الداخل، تصدى لمهمته الدفاعية.. بنفس اليقظة والإقدام والبسالة. ولأن الأمر كذلك، فقد حظي هذا الجيش بدعم شعبه، وتوفرت له بيئة حاضنة من أفراد هذا الشعب.. تحيطه بسياج من الأمان؛ يذكرنا بتجارب التحرر الوطني، التي كان فيها المقاومون ضد الاستعمار.. يحظون بتأييد شعوبهم، التي قدمت لهم كل صور العون والمساندة، وكانت عاملاً مهماً من عوامل انتصارهم. 

وبعد انتهاء المناقشة، أتى لنا من شرفوا المناقشة من أبناء سيناء – ليعبروا لأعضاء لجنة المناقشة.. عن امتنانهم لحسن تقديرهم لجهد الباحث المتميز – ودار بيننا حوار جميل.. حول كل المعاني النبيلة السابقة. تأملت ملياً في المعنى العميق لهذه الواقعة البليغة؛ فهذا مقاتل مصري شارك – مع رجاله المخلصين – في الدفاع عن أبناء شعبه في بقعة من بقاع سيناء، وأخلصوا في عملهم.. فاكتسبوا محبة المحيطين بهم ومساندتهم، ومن هنا اكتملت عناصر النجاح في مهمة دحر الإرهاب. لكن القصة لم تتم فصولاً.. عند هذا الحد، فقد استمرت العلاقة بعد أن انتهت مهمة المقاتل بنجاح، حتى إن محبيه في سيناء واصلوا علاقتهم معه، واستمروا في تتبع أخباره، حتى حضروا لمشاركته فرحته.. بإجازة البحث الذي يستكمل به متطلبات الحصول على درجة الزمالة من هذه الكلية الرائدة، فياله من جيش عظيم وشعب رائع! 

غير أنني لا يمكن أن أختتم هذا المقال، دون كلمة حق عن دور كلية الدفاع الوطني.. في نشر المعرفة العلمية عن قضايا الأمن الوطني والقومي – بشقيها العسكري والمدني – خارج حدود مصر، وبصفة خاصة في محيطها العربي، وهي بذلك تمثل ركيزة موضوعية مهمة.. لتوثيق الأواصر في علاقات مصر العربية.. في واحد من أهم أبعادها؛ وهو ذلك المتعلق بالأمن القومي، وقد كان الدارس الثاني الذي ناقشته اللجنة.. عماني الجنسية، وكان بدوره متميزاً في بحثه.. ككل أبناء عُمان الشقيقة، ويمثل الدارسون العرب في الكلية عادة.. نسبة مهمة من دارسي الكلية، وربما يكونون هم الأغلبية في دورة هذا العام، ومن ثم فإن الكلية تلعب دوراً حقيقياً.. في توحيد الرؤى العربية حول قضايا الأمن والدفاع في الوطن العربي. ومن يشاهد أروقة الكلية، وقاعات محاضراتها – في المناسبات المختلفة – يدرك على الفور.. الدور الرائد الذي تقوم به كلية الدفاع الوطني، في بناء الكوادر العربية الكفؤة، المتخصصة في قضايا الأمن الوطني والقومي. 

وأذكر أنني كنت أناقش يوماً.. دارساً سعودياً متميزاً في بحث الزمالة الخاص به، وعبرت – في سياق مناقشتي – عن اعتزازي بأن الدولة السعودية، التي تستطيع إرسال دارسيها إلى أبعد الأماكن في العالم وأكثرها تكلفة، حريصة على استمرار العلاقة مع الكليات العسكرية المصرية، وأن هذا التقليد.. يساعد – دون شك – في بناء رؤية عربية مشتركة لقضايا الأمن القومي. فرد عليَّ الدارس.. بأن معظم قيادته استكملت تعليمها العسكري في مصر. 

… فتحية لكلية الدفاع الوطني.. ذات الدور الريادي في مصر والوطن العربي، بل والذي يمتد لأفريقيا وآسيا. 

وتحية لجيش مصر الوطني العظيم، الذي تنتمي إليه هذه الكلية العريقة، والتحية أولاً وأخيراً لشعب مصر المبارك، الذي أنجب مثل هذا الجيش، وأحاطه بالحب والاحترام والمساندة، فكان لشعبه نعم الحامي والسَنَد.

نقلاً عن «الأهرام»

شارك هذه المقالة