Times of Egypt

حروب أمريكا الدائمة

M.Adam
سمير مرقص 

سمير مرقص

(1) «قوة عسكرية دون شرعية»

هل يمكن للقوة العسكرية.. وحدها، أن تؤسس لوضع مستقر، في سياقات مجتمعية معقدة.. مثل تلك التي تتسم بها السياقات المجتمعية للشرق الأوسط وجنوب آسيا؟ 

هذا هو السؤال المحوري الذي يطرحه الكتاب – الذي صدر مطلع هذه السنة – المعنون: «قوة بلا سلطة: حروب أمريكا في الشرق الأوسط وجنوب آسيا Force Without Authority: America’s Wars in Middle east & South Asia»، ويجتهد في الإجابة عنه.. من خلال استعراض تاريخي للسلوك الأمريكي حيال تلك السياقات.. منذ نهاية الحرب الباردة تحديداً. ينطلق المؤلف من فرضية مفادها أن: «استخدام القوة العسكرية.. دائماً ما يكلف الولايات المتحدة الأمريكية تكاليف باهظة قهرية Imposed Costs؛ على المستويين الاقتصادي والسياسي، ويؤثر سلباً – بدرجة أو أخرى – على مصداقيتها الدولية. وفي المحصلة، لا تحقق القوة الأهداف الاستراتيجية المرجوة. إذ تتفاقم الاضطرابات في تلك السياقات».

يبدأ المؤلف بتمهيد تاريخي، يؤصل لممارسة السلوك الأمريكي للقوة.. منذ نهاية القرن التاسع عشر في 1898. يخلص – من خلال التمهيد التاريخي – إلى أنه على مدى قرن من الزمان، كانت تدخلات أمريكا العدوانية والتعسفية والعنيفة.. من أجل الهيمنة والضبط، والتحكم في مصائر الدول والمجتمعات.. عبر ممارسة القوة، تثير ردود فعلٍ مقاومة، وتطلق توترات واضطرابات لا تنتهي. كما أنها – نضيف – غير مشروعة.

(2) «من مرحلة جُليات/ جالوت الحذر إلى الإفراط في المغامرات الحربية»

في ضوء التمهيد التأصيلي التاريخي.. لاستخدام الولايات المتحدة الأمريكية للقوة – على مدى قرن من الزمان ـ الذي وصفناه مبكراً في كتابنا: «الإمبراطورية الأمريكية: ثلاثية الثروة والدين والقوة.. من التوسع والتفرد إلى اختلال التموضع والتمدد» (الطبعة المزيدة والمنقحة قيد النشر)؛ بالتوسع القسري الأمريكي من الداخل إلى الخارج، يبدأ المؤلف في رصد مسار استخدام الولايات المتحدة الأمريكية للقوة في الشرق الأوسط وجنوب آسيا – تحديداً.. منذ سنة 1989 وحتى 2024 – وذلك من خلال تقسيم هذا المسار إلى ست مراحل كما يلي: جُليات (العملاق) الحذر 1989 ـ 2001، مسارات حربية مفتوحة 2001 ــ 2003، تسويات 2003 ــ 2011، قوة دون شرعية 2011 ــ 2014، نصر دون غزو 2014 ــ 2018، أمن متراجع 2018 ــ 2024. 

انطلقت الولايات المتحدة الأمريكية تمارس القوة.. بعد نهاية الحرب الباردة في 1989، تحت وهم أنها باتت قوة عظمى وحيدة ومتفردة Onely/Unique Super PowerO.. حسب تعبير صامويل هنتيجتون، وذلك بحذر كبير، لذا وصف المؤلف السلوك الأمريكي «بجليات الحذر Cautious Goliath»؛ إذ مارست القوة بتأنٍّ شديد، وبتوسع في نفس الوقت. إلا أن النجاحات التي تحققت من ممارسة القوة – في فترة القطبية الأحادية هذه – التي تمثلت في ردع العراق في حرب الخليج الأولى، قد أطلقت العنان للإفراط في استخدام القوة. ومن ثم أطاحت بنورييجا، وقامت باحتواء صدام أولاً، ثم تقييد العراق، وتدخلت في الصومال، وحاصرت سلوبودان ميلوسيفيتش، وناوشت إيران، وقسمت صربيا. وقد جرى كل ما سبق خلال الفترة من 1989 إلى 2001. بيد أن كل ما سبق – كما يرصد المؤلف – قد ساهم في أن انطلاقة إرهابية عابرة للحدود خارج السيطرة.

(3) «من الحذر إلى الاندفاع في استخدام القوة إلى تقديم تنازلات فالتعقل النسبي»

دفعت أحداث سبتمبر 2001، الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاندفاع نحو الحرب.. تحت وطأة الثأر والانتقام. وحول هذه الفترة، جاء الفصل الرابع من الكتاب تحت عنوان: على طريق الحرب؛ وفيه سرد المؤلف قصة غزو كل من أفغانستان والعراق.. خلال الفترة من 2001 إلى 2003. 

بيد أن الفترة من 2003 إلى 2011، قد شهدت الكثير من التداعيات.. بسبب الإفراط في التدخلات العسكرية. فقد اضطرت إدارة بوش (الابن) الجمهورية في فترته الثانية، وتبعه أوباما الديمقراطي في ذلك، إلى تقديم تنازلات – بدرجة أو أخرى – للهدف الاستراتيجي من استخدام القوة. فقد كان الهدف المعلن من استخدام القوة – عبر التدخل العسكري – هو بناء الدول State Building؛ إلا أن الاضطرابات التي نتجت عن تلك التدخلات السافرة، دفعت الولايات المتحدة الأمريكية إلى التراجع والتنازل عن هدف بناء الدول، إذ غرقت كلية.. في محاولة ضبط وإدارة الأزمات. لذا أطلق المؤلف على تلك الفترة الاضطرار إلى التسوية Compelled to Comprise. 

أعقب ما سبق مرحلتان.. تميزتا بممارسة القوة عن بُعد – نسبياً – أسماهما المؤلف ما يلي؛ أولاً: القوة دون سلطة.. مارستها أمريكا في الفترة من 2011 إلى 2014. والثانية: انتصار دون غزو.. في الفترة من 2014 إلى 2018. شهدت المرحلة الأولى منهما، الأوبامية، تصفية بن لادن، وتغيير النظام في ليبيا، والاحتراب الداخلي الليبي والسوري. أما المرحلة الثانية.. التي اتسمت بأنها انتقالية بين إدارتين، فلقد وجدت نفسها تواجه بيئة خصبة Fertile Terrain، عابرة للحدود، لنمو تنظيم الدولة الإسلامية. ما فرض التوقف كلياً عن الحديث حول بناء الدول، والعمل على تقاسم المخاطر بين الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الأخرى (القطبية والإقليمية)، وضرورة تغليب ضبط النفس والتعقل والتروي.. على الهلع. ويشار هنا إلى أن التعقل كان نسبياً، إذ أن السلوك الإكراهي الأمريكي – المباشر أو عبر وسطاء – لم يتوقف.

(4) «أمن لم يتحقق.. ولكن»

يخلص المؤلف.. إلى أنه – بعد كل الحروب الممتدة على مدى عقود – لم تحقق الولايات المتحدة الأمريكية أهدافها المنشودة، وهو ما وصفه بالأنماط المتكررة لتغيير الأنظمة Persistent Patterns of Regime Change؛ كما لم تؤسس دولاً ولا أوضاعاً مستقرة، بل على النقيض تماماً.. أدت إلى فوضى عارمة. وهو ما يتجلى بوضوح في عودة حكم الإمارة في أفغانستان، وتشظي العراق. 

وبعد، يقدم لنا الكتاب مساهمة بالغة الأهمية، نوجزها في الآتي: إن القوة المُفرطة لا تعني شيئاً، إذا ما افتقدت الشرعية. ويطرح سؤالاً جوهرياً هو: هل يمكن لأي قوة – مهما كانت فائقة – أن تحقق الاستقرار؟ ويبدو أن الإدارة الترامبية الحالية، قد قررت أن تتغافل عن الحصاد المر للحروب الأمريكية ـ الذي لم يحقق إلا التفكيك، وإن لم يحُل دون التناهب – وتعاود ممارسة القوة السافرة.. في غيبة دعم الحلفاء واستنفار الخصوم.

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة