عمار علي حسن
(1)
دون عدل، لا تكون دولة حديثة.. إنما غابة كبرى، لها من يديرها. ولا نقصد بالعدل هنا، احترام الدستور والقانون، واستقلال القضاء.. فقط، بل العدل السياسي.. الذي يعني احترام إرادة الشعب، والتعبير عنها، وأن تكون الأمة هي مصدر السلطات. ونريد أيضاً العدل الاجتماعي.. بمعنى منع أن تكون الأموال في يد القلة، بينما الكثرة.. تئن من فرط الجوع والمرض. وكذلك إطلاق تكافؤ الفرص بين الناس؛ فلا يتميز أحد على أحد.. إلا باجتهاده، وجهاده في مسالك الحياة.. من أجل تحسين شروطها.
دون عدل.. سيتهالك البناء، ويهتز، ويسقط على رؤوس الجميع.
(2)
أعيتهم الحيل.. في البحث عن مخرج من المأزق الاقتصادي الذي نكابده، بينما الحل واضح جداً، وتفاديه – أو التغافل عنه أو تجاهله – سيجعل كل الإجراءات الاقتصادية.. حتى لو جاءت مُحكمة، تنتهي إلى بوار.
الحل سياسي – لا سيما في أيامنا هذه – التي تحتاج فيها رؤوس الأموال الهاربة من المناطق المضطربة.. إلى بيئة آمنة، للسكنى والاستثمار. والأمن الحقيقي، يأتي بنزع كل أسباب.. تقود إلى غضب وانفجار، أو التقليل منها. وهذا يأتي في ركاب السياسة ورحابها، دون كلفة أو عناء. لسنا دولة ريعية، أو تراكم لديها.. ما يحقق الرضاء الشعبي منزوع السياسة – كما يحدث في بعض البلدان – ولذا فالسياسة حل، ولهذا طرقه وأساليبه. إنها فرصة أوجدتها ظروف دولية وإقليمية، فإن لم ننتهزها، وأضعناها – كما ضيعنا فرصاً سابقة – فلا نلومنَّ إلا أنفسنا، لأن كل شيء الآن على الحافة.
(3)
نحن في خطر، لغرق مجتمعنا في الغيبيات.. مع القلق من المستقبل، وفقدان اليقين، وشح المعلومات، وتزعزع التفكير العلمي؛ فالأغلبية الآن.. مشتبكة مع أنماط من الشرود الغيبي؛ ليتسع المجال لضاربي الودع، وقارئي الكف، والمنجمين متابعي الأفلاك، والسحرة والمشعوذين، ومن يزعمون مخاواة الجن، ومدعي الكرامات، ومفسري الرؤى والأحلام، أو جالبي الحبيب؛ الكل يبحث عما يشفي غليله، أو يمنحه بعض الطمأنينة، أو يخفف عنه وطأة الحاضر، ليس في كتب العلم، ولا في إعادة قراءة التاريخ بعقل واعٍ متفتح، ولا بالتأمل العميق في أحوال الناس. إنما باللجوء إلى بائعي الوهم!
(4)
انتشار المخدرات بين الشباب – ومنهم صبية صغار – بات مفزعاً. هل نعتقد أن الخطر لا يأتي سوى من الإرهاب؟
سبق أن برهنت.. على أن الفساد أخطر من الإرهاب. أما المخدرات – بهذه النوعية المصنَّعة – التي تدمر كل شيء في متعاطيها؛ جسده وعقله ومشاعره، فهي أخطر من الاثنين. لا بد من وقفة، قبل فوات الأوان.
(5)
جاء اليوم العالمي للصحافة، ليجد الصحافة تشكو من تضييق، وحجب أصوات بعض الناس، ولولا بعض الصحف المستقلة.. والمواقع الإعلامية، ومعها مواقع التواصل الاجتماعي – على ارتجالها وفوضاها، وعدم دقتها أحياناً – ما وجد الشعب متنفساً.
الصحافة الحرة ليست ترفاً أبداً، بل ضرورة لبناء دولة مدنية عصرية.
(6)
الحقيقة التي لا مواربة فيها، أن الجيش الأمريكي لم يحقق منفرداً.. نصراً دائماً في أي حرب، حتى لو نجح في بدايتها.. موظفاً قدرته النيرانية والتقنية الهائلة.
يهاجم هذا الجيش من يعتدي عليهم.. وسط دعايات زاعقة، يطلقها ما يملكه من إعلام.. هو الأقوى في العالم، ثم لا يلبث أن ينزف.. حتى يخرج جريحاً ذليلاً.. ولو بعد سنوات. لهذا، من العبث أن تتصرف أي دولة.. على أنها في مأمن، طالما كانت في حماية أمريكا؛ فالأخيرة سبق لها أن تخلت عن حلفائها وهربت.. مرات عدة، آخرها كان في أفغانستان في أغسطس 2021.
الثابت أيضاً، أن هذا الجيش.. هو صاحب أكبر عملية استسلام في تاريخ الحروب. ففي عام 1942 – خلال الحرب العالمية الثانية – استسلم 78 ألف جندي أمريكي وفلبيني.. لأربعة آلاف – فقط – من المقاتلين اليابانيين، في معركة باتان، وسيق هؤلاء خاضعين إلى الأسر.. سيراً على الأقدام.. لمسافة 90 كيلومتراً، وفي مقدمتهم قائدهم الجنرال إدوارد كينج، ومات – في الطريق – ستة آلاف منهم، وتُعتبر هذه الحادثة من أكبر الهزائم العسكرية في التاريخ.
(7)
تحية للصحفية الأستاذة آلاء سعد.. التي ناضلت في سبيل إنهاء التمييز ضد الإناث – فتيات وسيدات – من الإقامة بمفردهن في الفنادق، لتُنهي وقائع مريرة.. بكت فيها نساء مغتربات أمام موظفي الاستقبال في فنادق دون جدوى، وكن يحتجن إلى مأوى لأيام.. في سفر؛ ومنهن طبيبات ومهندسات ومدرسات ومحاميات وصحفيات.
ورغم أن اتحاد الغرف السياحية، والمجلس القومي للمرأة، واتحاد نساء مصر.. طالما نبه إلى أن عدم تمكين النساء من الإقامة المنفردة بالفنادق، يُعد تمييزاً على أساس النوع، وينتهك الدستور، فإن الفنادق استمرت في تنفيذ ما درجت عليه.. من أعراف وتقاليد أو تعليمات قديمة.
انتهى هذا اليوم، فقد قضت إحدى محاكم جنح مستأنف.. على مدير أحد الفنادق.. بإجماع الآراء، بإلغاء حكم أول درجة، وقبول استئناف النيابة بالحبس غيابياً لمدة سنة، وغرامة خمسين ألف جنيه.. عن الاتهام المسند للمتهم، في واقعة تمييز ضد آلاء سعد، خلال شهر يناير الماضي.
(8)
«نحن أبناء الفلاحين.. نمشي بعيون سوداء، من كثرة ما نظرنا إلى الأرض.. لو أننا نظرنا إلى السماء – فقط بضع دقائق – لصارت عيوننا زرقاء.. ولمات العالم من الجوع». هذا مقطع من قصيدة للشاعر والصحفي الأستاذ سيد العديسي.. الذي غادر دنيانا قبل أيام، وهو في ريعان شبابه.
رحمة الله عليه، وخالص العزاء والمواساة لأخيه الكاتب الصحفي الأستاذ إيهاب مصطفى، ولعائلته الكريمة في صعيد مصر.
نقلاً عن «المصري اليوم»