تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Times of Egypt

مصير الديكتاتورية في العالم

M.Adam
محمد أبو الغار 

محمد أبوالغار

بالرغم من أن مبادئ الديمقراطية.. بدأت في أثينا منذ زمن بعيد، إلا أن بداية تطبيقها.. حدثت في إنجلترا مبكراً.. بعد فترة دموية. وأوروبا تحولت إلى الديمقراطية في مرحلة لاحقة، إلا أن الديكتاتورية استمرت في الكثير من بلاد العالم.. في أمريكا الجنوبية وبلاد الشرق الأوسط وآسيا. ويحدثنا التاريخ أن الديكتاتوريات.. أدت إلى انهيار الدول وتفككها، ولو بعد حين. وهناك حديث دائم عن فشل هذه الدول.. بسبب الحكم الديكتاتوري، وأنها إذا تحولت إلى حكم ديمقراطي، فسوف تحقق النجاح. فهل هذا صحيح؟ 

وتقوم هذه الحكومات الديكتاتورية، بمنع تكوين أي أحزاب أو تنظيمات ديمقراطية. وتناور، لمنع تشكيل النقابات، وتحجيمها، وتقليص العمل الأهلي.. ومن ثم يؤدي ذلك، إلى أن التحول من الديكتاتورية إلى الديمقراطية يحدث بطريقة مفاجئة؛ مثل قيام الثورات.. الذي تصحبه فوضى شديدة ومعاناة؛ سببها وجود الفقر. ويصحبه بلطجة.. بعضها منظم بواسطة النظام، الذي يريد حماية نفسه. وبعضها بسبب التحوُّل المفاجئ.. الذي يطلق هذه القوى الفوضوية؛ مما يسبب أحداثاً ومخاطر كبيرة.. على الأفراد والممتلكات، ويؤثر تأثيراً سلبياً على الاقتصاد.

وجود نظم ديكتاتورية وشبه ديكتاتورية – مع غطاء مظهري.. شبه ديمقراطي – يمنع تنظيم أي قوى سياسية، فهل هناك فرصة لانتقال ديمقراطي سلمي في هذه الدول؟ وكيف؟ 

دعنا نأخذ أمثلة من التاريخ؛ الجنرال فرانكو – قائد القوات الإسبانية النظامية اليمينية – بالتحالف مع هتلر وموسوليني، قام بمحاربة الثورة الشعبية المنظمة في كتالونيا (وعاصمتها برشلونة)، وحكم إسبانيا كديكتاتور.. جمع السلطات التنفيذية والعسكرية والسياسية بيده، ولم توجد انتخابات حرة، ومنع إنشاء الأحزاب السياسية والنقابات.. بكافة أنواعها، واعتقل وسجن عشرات الآلاف، وأعدم وقتل الكثيرين.. في الحرب الأهلية. وبعدها، فرض الرقابة الشديدة على الصحف والكتب. وكان من ينتقد.. يذهب وراء الشمس، وقام بالتضييق على الثقافات واللغات المحلية في كتالونيا وفي الباسك. وأسَّس تحالفاً قوياً جداً مع الكنيسة الإسبانية، ومنحها نفوذاً غير عادي.. لفرض القيم المحافظة. وكان لديه نظام أمني محكم.. منع المعارضة تماماً.

انتقال إسبانيا من ديكتاتورية عنيفة.. إلى ديمقراطية عظيمة أمر مذهل. عندما شعر فرانكو بقرب أجله، اختار الأمير خوان كارلوس، ووضعه على عرش إسبانيا.. ظناً منه أنه سوف يكمل المسيرة. وعين الملك سواريز – الذي كان واحدا من وزراء فرانكو – رئيساً للوزراء، واتفق الملك ورئيس الوزراء مع التيارات اليمينية واليسارية والقومية والجيش.. على تجنب حرب أهلية، فقد كان الجميع يتذكر مأساة الحرب الأهلية السابقة، وتم الاتفاق على مصالحة وطنية، وعدم إجراء محاكمات.. للذين تسببوا في تجاوزات خطيرة في عهد فرانكو. وصدر دستور جديد، وأجريت انتخابات حرة عام 1977. وفي عام 1981، فشل انقلاب عسكري.. حاول بعض الضباط القيام به، ووقف الملك – بشجاعة – مع الديمقراطية. 

… قصة نجاح مذهلة، لشعب نسي – أو تناسى – جراحه وقتلاه ومعتقليه.. على مدى سنوات طويلة، في سبيل مستقبل الوطن. وقطعت إسبانيا – بالديمقراطية – شوطاً لتصبح، إحدى الدول المهمة اقتصادياً في أوروبا والعالم.

هل يمكن أن يحدث شيء مشابه في دول العالم الثالث، بأن يُمهَّد للقيام لبناء نظام ديمقراطي ينهض بالبلاد؟ 

أمامنا تجربة ما بعد الاتحاد السوفيتي في روسيا، ولماذا لم تتحول للديمقراطية؟ وما زالت تعاني من صعوبات اقتصادية، بالرغم من شعبها المتعلم والمثقف وصاحب التاريخ؟! في عام 1991 اختفى الاتحاد السوفيتي، وأصبحت روسيا دولة.. بدون السوفيتات، ولم تتحقق الديمقراطية.. بسبب التاريخ الديكتاتوري الطويل أيام القياصرة، الذي امتد أثناء فترة ستالين. فقد ظل الاقتصاد السوفيتي يعاني من مشكلات كبيرة، مشكلة كبرى.. هي صعود عدد كبير من قوى وقيادات الحزب الشيوعي إلى قمة الحكم الجديد.. بقيادة بوتين، وحدث فساد ضخم.. في فترة التحولات، نتج عنه أن أصبحت روسيا الشيوعية.. بها عدد ضخم من المليارديرات، الذين هرَّبوا أموالهم للخارج.

هناك سؤال يتردد كثيراً الآن، وهو: هل كانت مصر دولة ديمقراطية قبل عام 1952؟ 

والاجابة، أن مصر كانت لديها مؤسسات ديمقراطية، ولكنها ليست كاملة بالمعايير الحديثة. وكان عندها دستور، ولكنه كان يعطي صلاحيات فوق دستورية.. للملك؛ منها حل البرلمان المنتخب. وكانت عندها أحزاب سياسية، وانتخابات حرة.. أحياناً، وغير حرة.. في معظم الأحيان؛ بسبب تدخلات الملك أو الإنجليز. كان القضاء مستقلاً.. وهي أعظم مزايا هذا النظام. ولكن الشرطة لم تكن محايدة. كان المشاركون في السياسة.. يشكلون جزءاً صغيراً من تعداد الشعب؛ وبالتالي كانت في مصر تعددية، ونظام قضاء متميز. ولكن لم تكن هناك ديمقراطية حقيقية.. كاملة الأركان. 

السؤال هو: هل هذه النواة من الديمقراطية المقيدة.. كان من الممكن أن تتطور – بتطور الزمن – إلى ديمقراطية حقيقية؟ لا أحد يمكنه الإجابة على هذه الأسئلة الافتراضية.

النظم الديكتاتورية.. مصيرها الانتهاء والانهيار؛ أحياناً ينتهي الأمر بطريقة سلمية؛ تحفظ للبلد اقتصاده، وللناس إنسانيتها.. كما حدث في إسبانيا وفي شيلي. وأحياناً يتحسن الوضع السلطوي الديكتاتوري العنيف تدريجياً، ولكن لا يحدث تحول ديمقراطي كامل.. مثلما حدث في روسيا.

هناك نظم تنتهي بوفاة الزعيم، كما حدث في مصر.. بعد وفاة الرئيس عبد الناصر. فخلال سنوات قليلة، تم تفكيك تام للنظام السياسي والاقتصادي والحزبي.. الذي أقامة عبد الناصر، لكن مصر – بعد ذلك – لم تصبح دولة ديمقراطية بالتعريف الحديث، وإن كانت هناك حرية في السفر، وحريات اقتصادية أكثر. ولكن النظام شجع قيام جماعات إسلامية فاشية، مضادة لأي تنظيم ديمقراطي، وشجع على الفساد الاقتصادي؛ مما أدى إلى تشجيع الإرهاب وتفكيك مفاصل الدولة.

أحياناً ينتهي النظام بهبة شعبية.. كما حدث في رومانيا، وتم خلع شاوشيسكو وإعدامه هو وزوجته. واستغرقت رومانيا عقدين من الزمن.. حتى استطاعت الانضمام للاتحاد الأوروبي. وهناك نظم تنتهي، إذا حدث انهيار اقتصادي تاريخي، ويعجز النظام عن توفير الأكل والملبس والسكن. وفي الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى، تتغير النظم بانقلابات عسكرية. وهناك دول تسقط بسبب هزائم حربية، أو ضغوط دولية أو حربية عليها.. كما سقط نظام صدام حسين.

سقوط الأنظمة ليس معناه إنقاذ الدولة، يجب أن تكون في الدول مؤسسات.. لا يتم تفكيكها، ونظام قضائي سليم مستقل، واستعداد لدى النظام القديم والجديد للتصالح، والتفاهم لإنقاذ الدولة.

(قوم يا مصري.. مصر دائماً بتناديك).

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة