سمير مرقص
(1) «إعلانات استهلاكية فائقة الفجاجة»
من المقبول، أن تسعى الشركات المنتجة للسلع.. لأن تعلن عنها، والترويج والتسويق لها.. بين المستهدفين لشرائها. ومن ثم، فإن الإعلانات التجارية.. ما هي إلا وسائل لتحقيق هذا السعي. وبالطبع، تجتهد الشركات المعلنة.. في البحث عن الأفكار الإعلانية اللافتة والمؤثرة، التي تشد – بالأساس – المستهدفين من الحملة الإعلانية لتدفعهم – بنعومة، ودون تجاوزات من أي نوع – إلى شراء السلعة المُعلن عنها، إلا أنه ليس من المقبول.. أن تضرب الشركات المعلنة عرض الحائط، بما هو نبيل وجميل في الحياة الإنسانية.. باستخفاف وفجاجة. في هذا الإطار، شاهدت مؤخراً عدداً من الإعلانات.. التي أتصور أنها تجاوزت كل الحدود والمعايير العقلانية الرشيدة.
سأعرض هنا ثلاثة نماذج لتلك الإعلانات الفجة كما يلي:
النموذج الأول: يصور عائلة مجتمعة على مائدة الطعام، فوجئت بأن زجاجة المياه الغازية قد شارفت على الانتهاء، فما كان من أعضاء العائلة.. إلا أن اشتبكوا بالأيدي، يتصارعون من أجل أن يفوز أحدهم، بما تبقى من زجاجة المياه الغازية. هكذا – في أقل من ثانية من عمر الإعلان، الذي لا تتجاوز مدته الثلاث دقائق – تتحول قاعة الطعام المنزلية إلى ساحة اقتتال، ولا تتوقف المنازلة.. إلا عندما تعلن ربة الأسرة عن وجود زجاجة إضافية كاملة. وهنا يعود السلام إلى الأسرة الصغيرة.. لاستكمال طعامهم.
أما النموذج الثاني: فيظهر فيه رب أسرة يصطحب أسرته – الأم وابن وابنة – في رحلة سياحية، يحمل الأب معه – في هذه الرحلة – كتاباً، يقرأ فيه.. تاركاً أسرته تستمتع بالرحلة. ولكن مع كل محطة من محطات الرحلة السياحية، نجد الأسرة تسحب منه الكتاب.. ليشاهد ما يشاهدونه. وفي نهاية الرحلة، نجد الأسرة قد التأمت حول مائدة في أحد المطاعم. وللمرة الأولى في الإعلان، نجد الأب لا يمسك بكتابه، وإنما مشغول بضبط المائدة.. التي كانت تتأرجح. ذلك الضبط الذي يتحقق.. بوضع الكتاب أسفل إحدى أرجل المائدة، وهنا يأتي المشهد القبيح للكتاب.. ممزقاً ومهاناً على الأرض، أسفل رجل المائدة.
وأخيراً النموذج الثالث: حيث يبدأ بالابن، وهو يبلغ أباه بأنه رسب في الامتحانات، فلا ينتج عن الأب أي رد فعل.. من أي نوع؛ حزن، غضب، حدة… إلخ، أو أي تأثر سلبي من أي نوع. على النقيض تماماً، نجده يثني – ويفرط بحماس – في أن يبارك لابنه.. على تسلمه «بطاقة الائتمان البنكية» (Credit Card).
(2) «كله مباح من أجل استهلاك لا سقف له»
إن ما تقدمه الإعلانات الفجة – التي عرضنا لها – تشير إلى أمرين؛ الأول: يتعلق بذلك التيار الإعلاني الماجن، الذي لا يرى أي غضاضة في تقديم مشاهد تتجاوز العقل والمنطق، لمجرد الترويج لما هو مُعلن عنه؛ سلعة غذائية، كروت بنكية مالية، موقع سياحي… إلخ. الثاني: ما آلت إليه الرأسمالية.. من جور على كل ما هو إنساني وطبيعي.
نحن أمام نماذج عن.. أن الرأسمالية الحديثة، لم تعد تكتفي ببيع المنتجات، بل تبيع أساليب حياة.. تُعزز الفردانية المتطرفة، وتُفقد الفرد إنسانيته؛ كما يقول الفيلسوف الفرنسي «جيل ليبوفيتسكي» في كتبه التي تناولت مجتمع الاستهلاك.. إنها تخلق – حسب «ليبوفيتسكي» – «المستهلك الفائق»؛ الذي يُستثار بلذات لحظية سريعة، تدمر كل ما هو إنساني، من خلال الإعلانات التي تستبيح كل ما هو عاقل ومنطقي.
ولعل الفيلسوف الألماني – من أصل كوري – «بيونج شول-هان» – الذي أستمتع باجتهاداته، يفسر كيف «تمثل الرأسمالية الراهنة طاقة تحكمية ناعمة؛ تجعل الإنسان المعاصر مستعبداً»؛ ما يجعل الإنسان يستنزف ذاته.. من أجل رشفة مياه غازية، ويعلي من قيمة التمويل والاقتراض.. على السعي والكد العلمي والتعليمي، والمفاضلة بين الترويح والقراءة. ولعل أخطر ما في الأمر، هو التصوير الإعلاني.. بأن الإنسان حر ومتمرد. بينما هو في حقيقة الأمر، بات عبداً لمنظومة استهلاكية مارقة.. تعمل لصالح رأسمالية جائرة، تقتات على وعيه، وتجرده من قيمته الإنسانية.
(3) «تسلية حتى الموت»
إن مجمل المشاهد الإعلانية.. التي عرضنا لها – وما يشابهها – تصب في اتجاه ما أشار له مبكراً منتصف الثمانينيات – وظني ما زال صالحاً حتى يومنا هذا.. في الزمن الرقمي بوسائله التواصلية المتجددة – أستاذ الإعلام/ الاتصال في جامعة نيويورك «نيل بوستمان» في كتابه: «التسلية حتى الموت: الخطاب العام في زمن الاستعراض التجاري Amusing Ourselves to Death: Public Discourse in the Age of Show«؛ عن أن منطق الترفيه.. سوف يؤدي – مع مرور الوقت – إلى أن يفقد الإنسان المعاصر.. الرغبة والقدرة على التفكير الجاد، والدفاع عن الروابط الإنسانية، والقيم الجميلة والنبيلة؛ إذ إن الوسيط بات يتحكم في تشكيل الدوافع والأفكار والممارسات، والوسيط هنا.. بات يعتمد الفجاجة والقبح والإثارة، وبطبيعة الحال مضاعفة الأرباح التجارية.. إلى أقصى حد ممكن.
أكثر من ذلك، توقع «بوستمان» أن هذا الوسيط.. سوف يحل محل البنى والأنظمة والمناهج، التي تشكل العقل، وتنمي الذائقة، وتسمو بالروح؛ ما يعني تحول التسلية.. إلى مبدأ يحكم المجال العام والثقافة ودوائر حركة الإنسان والوعي ومنظومة القيم وماكينات الذائقة.. بمستوياتها المختلفة؛ بحيث يصبح كل ما هو جاد وعميق ومركب.. مطالباً بأن يتخفف من معناه، كي يكون قابلاً للمشاهدة والاستهلاك.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة «التسلية حتى الموت». وفي هذا السياق، تقع الإعلانات الفجة.. التي تدفع المشاهد – تحت مظلة الربح الكثير جداً جداً جداً – إلى الموت؛ فيتم تجاهل قيمة الدرس والنجاح، لصالح الكارت الائتماني. ويتم إلقاء «لمة العيلة» حول الطعام.. في صفيحة القمامة دون تفكير، ليحل محلها نزال يشبه نزالات روما القديمة.. التي تقام من أجل متعة الولاة (تلك المصارعات الدموية التي تسمى مصارعة المُجالدين Gladiators في الساحة الشهيرة آنذاك المسماة بالكولسيوم)…
وبعد، إن الإعلانات المارقة والرأسمالية الجائرة، ليست مجرد شاشات ملونة تُعرض لثوانٍ – في فترات إعلانية – بل هي موت حتمي للعقل والروح والعلاقات الإنسانية.
نقلاً عن «المصري اليوم»