أحمد الجمال
تفوح رائحة «شياط» طائفي يشمها – ولو من بعيد – من تعاظمت لديه حواس الإحساس بالخطر على الوطن، بمجرد ظهور علامات ذلك. وبالمناسبة فإن كلمة شياط.. عربية فصيحة، وتطلق على رائحة احتراق صوف أو قطن أو نسيج! وإنني أشمها.. وأحذر من مغبة تحولها إلى حريق، مع متابعتي لما يُنشر على وسائل التواصل إياها من فيديوهات يظهر فيها بعض العيال.. الذين يتعرضون بالجهل والجهالة، والبغض والكراهية للعقيدة المسيحية.
وقد رأيت أحدهم، وتابعت مناقشته لأحد القمامصة.. حول قانون الإيمان، وحول الآب وجوهره، وكذلك الروح القدس والإبن، وكان القمص طويل البال صبوراً جداً؛ إذ أخذ يشرح لذلك الجاهل الجهول المتعصب.. مسألة فهم النص وفق السياق اللغوي اليوناني، ووفق السياق اللغوي العربي. ولأن ذلك العيّل.. لا يملك أية مقدرة عقلية ثقافية لفهم الأمر.. فإنه تمادى في جهله.
وقس على ذلك العديد من «الفيديوهات».. التي يتكرر فيها المشهد والمضمون، وبعضها ليس فيه حوار، بل مونولوج كريه.. يسخر من أركان الإيمان المسيحي، ناهيك عن «شرايط» زكريا بطرس، التي يدور فيها – على الطرفين – أحط وأسوأ ما يمكن أن يتلفظ به رجل دين، ومن يناقشه من زاعمي الحديث باسم الدعوة الإسلامية!
ويلحق بذلك ملاحظتي.. لكثافة عالية من المشاهد المصورة داخل الكنائس؛ قداسات ومباخر، وطقوس سيامة، أو تكريس شمامسة ورهبان وقساوسة؛ أي «سر الكهنوت» ووضع اليد. وهو أمر لم يكن شائعاً نشره بتوسع فيما مضى.
فإذا أضفنا ما ينشر أو يبث على الفيس، وغيره من محاضرات ومواعظ على الجانبين.. لا يخلو بعضها من التعرض لجوهر الاعتقاد المسيحي والإسلامي؛ فإن الأمر يستدعي المراقبة والتدقيق والمتابعة.. من ذوي الألباب والعقول، والمشاعر الوطنية الخالصة؛ المبرأة من التعصب، والمدركة لخطورة الاستقطاب الطائفي المقيت.
ثم إن الأثافي – الحجارة التي يوضع فوقها القدر على النار – تزداد عدداً بلا حصر، إذا توقفنا طويلاً أمام ما يشعر به كثير من المخلصين للوطن.. وهم يتابعون الخطاب السياسي والإعلامي الصادر عن مؤسسات الدولة، ويتابعون تصرفات جزء لا يستهان به من موظفيها الكبار والصغار، حيث تعلو نبرة المرجعية الدينية، ويبرز تطاحن خفي.. بين النزوع المتسلف، ضيق الفهم والأفق، الذي لا يخفي تعصبه واحتكاره للحقيقة الإيمانية، ليس فقط في مواجهة أتباع الديانات الكتابية الأخرى، وإنما أيضاً في مواجهة بقية المذاهب الكلامية والفقهية. ولا يبالون بتكفيرهم؛ بمن فيهم الأشاعرة.. غالبية أهل مصر، وبين النزوع الصوفي؛ الذي من علاماته البارزة الشيخان علي جمعة وأسامة الأزهري، ومن ورائهما تيار منتشر في مجالات الأزهر، والأوقاف، والدعوة، وهيئة كبار العلماء، ومجمع البحوث الإسلامية.
وهذا كله.. ابتداء من انتشار وذيوع الفيديوهات إياها، وليس انتهاء بالخطاب العام.. الذي يشير إلى حالة الاستقطاب، ويشير إلى مصدر الشياط.. الذي أخشى أنه إذا تعرضت ناره البسيطة – وربما الضعيفة – إلى مزيد من النفخ؛ فإنه – في لحظة أو أخرى – سيتأجج، ويعلو لهيبه، وربما يستعصي على السيطرة، وتكون خسارة مأساوية للوطن.
إنني لا أزعم قدرات زرقاء اليمامة، ولا أملك رؤية الطالع، ولا فتح المندل، ولكنني أزعم أن من عاش حياة.. يتعمق في عقودها إدراكه ووعيه بمن هي مصر، وكيف تشكلت خلاياها الحية.. في عشرات القرون، منذ ما قبل التاريخ إلى الآن؛ لا يحتاج إلى من أو ما يستحث قدراته وملكات وعيه.. لتدرك أن ثمة خطراً يتكون، ولا بد من مواجهته.. قبل أن يسرطن خلايا جهاز المناعة الوطني.
وإلى كل من عاش هذه الحياة، تعالوا نحتشد لاستئصال هذا التهديد.
نقلاً عن «المصري اليوم»