Times of Egypt

في هجاء الشعوب.. قبل رثائها!

M.Adam
مصطفى حجازي 

مصطفى حجازي

قبل عدة سنوات، وبينما أتلمَّس أولى خطواتي لتعلم ملاحة القوارب الشراعية، كان درسنا الأول.. أن الفيصل بين النجاة والغرق، يتجاوز براعة القبطان وبحارته. ويتجاوز تعافي الأشرعة أو تهالكها.. إلى ما هو أبعد وأعمق. أما هذا – وبدون دهشة – فهو وعي أهل المتن «الركاب»..!

تعلمنا أن المناورة.. بتموضع الركاب على سطح القارب – من غير القبطان أو البحارة.. الذين يوالون الأشرعة جمعاً وشرعاً وحركة – في حدها الحد بين السلامة والندم.

كان الدرس الأول لنا – ونحن من نؤهل أن نكون أهل الدفة – قاطعاً.. «ركاب قاربك، ليسوا حملاً ميتاً، ولا ينبغي لهم أن يكونوا. وأن حال غفلتهم، أو تغافلهم عن ضبط إيقاع التوازن.. تسوء العاقبة». وأنه حين يتعالى أهل الدفة عن تأهيل ذلك الحمل الإنساني – ليصبح شريكاً في الملاحة – تكون الكارثة انقلاباً وغرقاً، أو اصطداماً أو ضياع وجهة.

وأن أي قيادة.. تستمرئ سكون ركابها، إنما تستدرج قاربها إلى قاع محتوم!

كان جوهر الحقيقة – أيضاً – أن ركاب قاربك، ليسوا بالضرورة.. من اختيارك، ولكن تأهيلهم.. مسؤوليتك، وسلامتهم.. شرفك، وبلوغهم وجهتهم التي – اختاروها هم – واستأمنوك على بلوغها.. أمانتك.

لم يقل أحد أبداً، إن كل من يصعد سطح قاربك.. سيكون – بالضرورة – متعلماً راشداً واعياً.. خالياً من الشر والأثرة وضيق الأفق.. وكذلك حال شعوب الأرض؛ ممن ظهرت دولهم أو دالت، وممن هيمنت حضارتهم أو زالت.

وكأني بحال الدول كذات الحال. فبقدر ما تميل الحكومات ونظم السلطة في منطقتنا.. إلى تحميل شعوبنا مسؤوليات كل مآسي حياتها – فهي الرعية الضجرة.. الشكاءة البكاءة البائسة. وهي الرعية الفوضوية.. العصية على الترقي.. بدعاً عن شعوب الأرض – بقدر ما تنسى أن الشعوب.. في كل حال؛ هم أهل المتن، وليسوا أهل الدفة.. في قارب الوطن.

لن أنتصر لشعوبنا أو أنافقها.. ولن أزعم لها ما ليس لبشر. ولكن بجملة هجاء شعوبنا – المحبب إلى نخبتنا – فلنكتب في هجاء الشعوب.. كل الشعوب.. إن كانت تستحق.

لو تأملنا شعوب الأرض – بعين «الهجاء» المجرد – لوجدنا أن «الرعاعية»، أو «الغوغائية».. كامنة تحت جلد كل حضارة.

فالشعب – أي شعب – في حالته «السائلة»، قبل أن يُصب في قوالب المؤسسات.. يبقى كتلة من الانحيازات، والميل للدعة، وسرعة التصديق، والتبعية للغرائز.

جُلُّهم «الهمج الرعاع.. أتباع كل ناعق»؛ كقول الإمام علي بن أبي طالب. وجُلُّهم.. «ببغاء عقله في أذنيه»، كشعر أمير الشعراء شوقي. وهم من تحركهم العاطفة البدائية، كما كتب «جوستاف لوبون» في كتابه العمدة «سيكولوجية الجماهير». الذي يكاد يُعمم.. أن جُلَّ شعوب الأرض خامات رديئة.. وأن ما نراه اليوم من «رقيّ» شعوب.. ليس إلا قشرة حداثية رقيقة، تُخفي خلفها تاريخاً طويلاً من «الدونية السلوكية»، والفوضى الفطرية.

ولنرَ كيف أن الهجاء الحقيقي.. لم يوجه في كتابات تاريخية موثوقة لنقصٍ عابر، بل لجوهر الشعوب – التي كانت بطبيعتها – تمقت النظام، وتستمرئ القذارة والكسل، قبل أن تقودها أو تسوقها مؤسساتها.. إلى مرافئ التحضر، وتصنع من خاماتها الرديئة.. الأساطير التي يراد لنا أن نُحَجَّ بها.

ولنُسقِط ورقة التوت عن «الرومانسية القومية»، و«الرقى الجيني».. لنرَى الأمور بمجهر عدل.

أما عن «الألمان»، فإن أردنا إجمالاً في وصف جوهرهم.. كما ذكره المؤرخون؛ فهم مزيج من الهمجية والكسل.

ويصدق ذلك المؤرخ الإنجليزي جون راسل.. في كتابه «جولة في ألمانيا» (1824)، حيث يصف الألمان بأنهم «شعب يفتقر إلى الكياسة، غارق في الخمول، وغير منظم».

ألمان ما قبل «البروسية» – في نظر جيرانهم الأوروبيين – شعب متبلد، يميل للكسل، يفتقر للطموح، غارق في الخرافة والفساد.. هم شراذم من الفلاحين، المجافين – بالكلية – لروح العلم والتفكير العلمي.

لم يترقَّ الألمان.. لأن جيناتهم تغيرت، بل لأن القرار المصيري والسيادي – الذي اتُّخذ من أجلهم – هو فرض «التعليم الإلزامي». ولم يكن ألماني القرن الثامن عشر – الذي جاء على إثره «كانط» و«هيجل» و«إينشتين» و«ماكس بلانك» – هو ذاك الشخص المنضبط الذي نعرفه اليوم.. بل لأن إيماناً عميقاً بولاية العلم والعقل.. على القوة. وأن الحزم وتسيد القانون – وليس الظلم أو القهر، والانتقائية باسم القانون – هما أطر لضمان استقرار المجتمع قبل ترقيه. وإذا أردنا هجاءً مستحقاً لمعجزة الإنسانية التالية – وهم «اليابانيون» – فلن نعدم الحقائق.

وحتى «الإنجليز».. تلك الأمة التي صنعت إمبراطورية، لا تغرب فيها الشمس من تراميها.. أيقونة التحضر تلك، ما أُثِرَ فيها.. أنها «أمة تعشق القذارة والعدوان»!

فما كتبه المؤرخ بيتر أكرويد – في سيرته عن «لندن» القرن التاسع عشر؛ يصف كيف كانت العامة في إنجلترا.. عصبة من البشر، عنيفة، غير مأمونة، تألف القذارة التي يأنف منها الحيوان.

لم تتحول تلك الأمة.. من الهمج الرعاع الإنجليز، إلى ثقافة الـ«جنتلمان».. بطفرة جينية، ولا بتطور طبيعي، بل بقوانين «تهذيب اجتماعي» صارمة؛ فرضها العصر الفيكتوري، ونظام تعليمي.. يَعُم المجتمع كله.

وماذا عن أهل آسيا؛ فها هو «لي كوان يو».. باعث سنغافورة، يحكي – في مذكراته عن بلاده.. سنغافورة – ذاك «المستنقع البشري» الذي كان يسكنه خليط بشري عدواني، متمرد على النظافة.. فإذا بهندسة اجتماعية حازمة؛ جناحاها.. العلم والعدل، تُصيِّر سنغافورة شعباً نموذجياً.

أما عن الصينيين – وهم من قطع شوطاً.. يعرفه القاصي والداني؛ من غيبوبة الأفيون.. إلى بريق قيادة العالم اقتصادياً – ليسوا نتاج فطرة صينية، بل هو نتاج «آلة مؤسسية»، أعادت صياغة الكائن البشري؛ من كائن مخدر.. إلى كائن متعلم منتج مبدع.

ما قلناه ليس تفنيداً للمثالب، بقدر ما هو تبصرة لنا.. بأن تلك الشعوب لم تصل إلى عليائها، لأنها «ملائكية» بطبعها، ولكن لأن ما قاله ميكيافيلي – كما صح فيها.. يصح فينا – بأن «الناس لا يفعلون الخير.. إلا لضرورة».

وعليه، فحين أقرت الشعوب ببشريتها.. أقرت برذائلها، ولم تنكرها؛ فقامت بـ«هندسة الرذيلة».. حولت «المثالب البشرية» إلى «طاقات مؤسسية»؛ فالجشع الفردي.. تم تأطيره، ليصبح تنافسية اقتصادية عادلة. والميل للتبعية.. تم تهذيبه، ليصبح «انضباطاً مدنياً».. تحت سيادة القانون. والشبق بالسلطة.. تمت مأسسته؛ في سياسة حرة، وتعبير حر، وتداول للسلطة.

لم تكذب أي من تلك الأمم.. على نفسها. لم تدَّعِ الخصوصية، ولم يدَّعِ أهل الدفة فيها.. تفرداً أو تمايزاً أو اصطفاء. لم تدمن تلك الأمم.. الكذب، ولكن روضته.. باحتساب على الدولة، ورقابة على المجال العام، وبأصل ملكية وطن.. يشهد به لكل مواطن؛ مهما دنا شأنه.

هذا بعض من هجاء شعوب، يُبَصِّرُنا.. بأننا لسنا بدعاً من البشر أو الأمم. وأن ما صلح عليه أمر غيرنا – بإمامة العلم والعقل، وبتسيد القانون، وبقصد الحرية والكرامة.. وجهة – سيصلح عليه أمرنا.

هجونا شعوباً.. أريد لنا أن نظن الدونية أمامها. وهجونا شعوبنا قبلها. أردناه هجاءً صادقاً لأنفسنا.. قبل أن يصدق فينا الرثاء.

فَكِّرُوا تَصِحُّوا..

نقلاً عن «المصري اليوم»

شارك هذه المقالة