د. نيفين مسعد
يواجه التحليل السياسي معضلةً كبيرةً.. في الاستشراف، حتى فيما يتعلّق بالمستقبل القريب. ويعود ذلك إلى تسارع التطورات، وعدم تِميُّز عملية صُنع القرار بالعقلانية في أحيانٍ كثيرة. وبالتالي، من الصعب أن نجد محللاً موضوعياً.. قادراً على معرفة مستقبل الحرب الأمريكية/الإسرائيلية-الإيرانية، ومآلاتها في الأيام المقبلة؛ فتجدُّد الحرب وارد، وتجمُّد الصراع وارد، والتوصُّل لاتفاق إطاري أو شامل.. أيضاً وارد. والحال هكذا، فإن قراءة الماضي ربما تفيد في إنارة بعض معالم المستقبل؛ ليس من باب أن التاريخ يعيد نفسه، لكن من باب أن التاريخ فيه تجارب وخبرات.. يمكن استقاء الدروس منها. والقاعدة تقول: إن من الصعب أن تسلك نفس الطريق لتصل إلى جهة مختلفة.
أهداني المهندس أحمد – ابن الصحفي اللبناني الكبير طلال سلمان – هديةً ثمينةً.. عبارة عن مجلد ضخم، يضم أعداداً من جريدة السفير.. التي كان والده يرأس تحريرها، إلى أن توقفت عن الصدور.. مع آخر أيام شهر ديسمبر عام 2016. ولا يتضمَّن المجلّد كل الأعداد الصادرة – منذ ولادة الجريدة في 26 مارس عام 1974، وحتى تاريخ توقّفها. ولا هو يورد الأعداد التي يضمها كاملة الصفحات، لكنه يتوقف عند محطات رئيسية.. في تاريخ لبنان والوطن العربي والعالم.
وعندما شرعت في القراءة، لم أستطع أن أكتم دهشتي من أن بعض عناوين الماضي.. تنطبق بشكل شبه حرفي على واقعنا الراهن. وسوف يركز مقال اليوم على موقع لبنان في الصراع العربي-الإسرائيلي؛ بحكم مجموعة من العوامل الجغرافية والسياسية والديموجرافية.. التي جعلته في قلب هذا الصراع. وبالتالي فإن أول ما يمكن ملاحظته، هو التلازم بين المسارين اللبناني والفلسطيني، وتأكيد المؤكد؛ وهو أنه في ظل استمرار القضية الفلسطينية.. دون حل عادل، لن يعرف الاستقرار طريقه إلى الشرق الأوسط. فمن قبل أن ينشأ حزب الله – في مطلع الثمانينيات – حملَت راية المقاومة التنظيمات القومية واليسارية، واستمر هذا المنحى بعد نشأته.
فمن قبله قادت دلال المغربي – وهي شابة فلسطينية من حركة فتح.. مولودة في مخيَّم صبرا ببيروت – واحدةً من أشجع العمليات الفدائية ضد الاحتلال الإسرائيلي؛ هي عملية «كمال عدوان» في مارس 1978. ومن بعده نفذت شابة لبنانية – أطلقَت عليها الصحيفة وصف «عروس الجنوب».. هي سناء المحيدلي من الحزب السوري القومي الاجتماعي – عمليةً أخرى بذات الشجاعة في أبريل 1985. وهذا يعني أن تحرير الجنوب كان ثمرةً لنضال الحركة الوطنية بكل فصائلها وتنويعاتها، وأن النساء كنّ في طليعة الصفوف.
يُلاحظ أيضاً، أن تجريف الجنوب وتهجير سكانه، والعمل على إنشاء حزام أمني.. يفصل بينه وبين مستوطنات الشمال الإسرائيلي، هو خط قاطع لكل الحكومات الإسرائيلية، وليس وليد السابع من أكتوبر. ففي عدد 22 يناير 1975، كان عنوان الصحيفة «إنهم يفرغون الجنوب.. فلنتقدم خطوة نحو العودة». وفي المتن تفاصيل كثيرة.. عن القصف الإسرائيلي العنيف لقرية كفر شوبا، ولعديد القرى الجنوبية الأخرى.. التي نطالع أسماءها بشكل شبه يومي.
وفي عدد 28 يوليو 1993، جاء العنوان كالتالي.. «خطة إسرائيلية لتدمير 30 قرية متاخمة للحزام». ونفس هذه الخطة، ما زالت مستمرة.. مع اختلاف في عدد القرى الذي جاوز الخمسين قرية، ومع اتساع مساحة الحزام الأمني المطلوب من 10 كيلومترات إلى 30 كيلومتراً.. حسب تصريح لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس.
الثبات نفسه، يميِّز السياسة الأمريكية تجاه لبنان؛ فهناك تواطؤ مستمر مع العدوان الإسرائيلي على لبنان، رغم مسلسل المبعوثين الأمريكيين.. من فيليب حبيب إلى توماس باراك وستيڤ ويتكوف، ففي عدد 14 مايو 1981 ورد تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيجن.. عن أنه «لا ضغط أمريكياً على إسرائيل، للحدّ من حقنا في التحليق بسماء لبنان». وهذا التصريح.. لا يختلف عما قاله بنيامين نتنياهو في نوڤمبر 2024، عن أن إسرائيل «حصلَت على رسالة ضمانات من واشنطن.. تمنحها الحق في التحرك عسكرياً ضد أي تهديد فوري، أو محاولات لإعادة تسليح حزب الله».
المثير للانتباه، أن الدعم الأمريكي للعدوانية الاسرائيلية، لم يتغيّر.. رغم أن الولايات المتحدة سبق لها اختبار قوة المقاومة اللبنانية؛ التي أرغمتها هي نفسها على الخروج من لبنان. ففي أعقاب تفجير مقّر قيادة مشاة البحرية الأمريكية في بيروت، جاء عنوان عدد 24 أكتوبر 1983 «مصممون على عدم تسليمهم المنطقة»؛ في إشارة غير مباشرة منه.. لإيران؛ التي كانت وقتها في ذروة حربها مع العراق والتي قام ريجان نفسه بتسليحها.. عبر صفقة إيران-كونترا. وبعد الهجوم الواسع على السفارة الأمريكية في بيروت، جاء عدد 21 سبتمبر 1984.. بتصريح آخر للرئيس ريجان، قال فيه: إن تلك الهجمات.. لن تستطيع إخراج الولايات المتحدة من لبنان والشرق الأوسط. لكن الولايات المتحدة خرجت من لبنان، وتواجه حالياً مصاعب كبيرة في الشرق الأوسط.
ومن المهم ألا يغيب عن أذهاننا، أن المقاومة الوطنية اللبنانية لم تفقد عنفوانها، بينما كانت تتم في بيئة داخلية شديدة التعقيد؛ فعندما وقع الاجتياح الإسرائيلي للبنان في 1978، كان قد مضى على اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية ثلاث سنوات فقط. والذي يطالع أعداد الجريدة – التي تغطي ضمن أحداثها مرحلة الحرب الأهلية اللبنانية – لابد أن قلبه سيدمى.. وهو يستعيد فظاعة الاغتيالات والتفجيرات، والمعارك بين الطوائف وداخلها، وأنهار الدماء التي لم تتوقّف. زد على ذلك اللعبة الإسرائيلية القديمة/الجديدة.. بزرع عملاء لها في الداخل؛ من سعد حداد إلى أنطوان لحد.
وفي عدد 31 أغسطس 1982، نقرأ عن اتصالات رئيس الأركان الإسرائيلي مع الحكومة اللبنانية.. لإعادة سعد حداد – الحليف المخلص، وصديق إسرائيل – إلى الجيش اللبناني؛ الذي انشق عنه! لكن مع تحرّر أرض لبنان.. وصولاً إلى عنوان الجريدة يوم 27 يوليو 2000.. «لبنان يستعيد أرضه كاملة حتى الخط الأزرق»، حمل كل العملاء متاعهم ورحلوا أو استسلموا.
ولأن قراءة التاريخ، تبقى مفيدة أتصور أن الحكومة الإسرائيلية الحالية.. بحاجة إلى العودة للأرشيف الصحفي، ومراجعة الجدل الداخلي.. الذي ثار مع اشتداد ضربات المقاومة. ففي عدد 30 أغسطس 1997، تصريح ليوسي بيلين – السياسي الإسرائيلي البارز – يطالب فيه بالانسحاب الأحادي وغير المشروط من لبنان، فيرد بنيامين نتنياهو – وكان وقتها رئيساً للوزراء – بـ «إن انسحاباً من لبنان دون اتفاق سيلحق بإسرائيل العنف»، واستدرك قائلاً «إن مثل هذا الاتفاق ليس أمراً منظوراً». ثم إذا بخليفته إيهود باراك.. يفّر مذعوراً بعد أقل من ثلاث سنوات. لكن ما زال نتنياهو عاجزاً عن استيعاب دروس التاريخ، ومراهناً على خيار القوة.
نقلاً عن «الأهرام«