محمد أبوالغار
اللغة هي أحد المقومات الأساسية للشخصية الوطنية، واللغة العربية الفصحى والعامية.. كلاهما جزء هام من الشخصية المصرية، ويجب الحفاظ عليهما وإجادتهما. وتعليم اللغة العربية الفصحى.. كان دائماً جزءاً لا يتجزأ من التعليم في المدارس المصرية الحكومية والخاصة، وأيضاً مدارس الإرساليات الأجنبية، وكانت مادة نجاح ورسوب، وكانت نسبة النجاح 50٪.
كانت هناك بعض المدارس الدولية.. التي لا تدرس اللغة العربية بتاتاً، ولكنها نادرة. وكانت هناك مدارس يؤدي فيها الطالب امتحاناً دولياً.. بلغات أجنبية، بدون امتحان في اللغة العربية. واشترطت الدولة عدم إعطاء شهادة الليسانس أو البكالوريوس من الجامعات للمصريين.. الذين التحقوا بها بشهادات أجنبية، إلا بعد أداء امتحان اللغة العربية المعادل للثانوية العامة. كل هذا عظيم، وكان موجوداً ولا بد أن يستمر، لأن ما يحدث للغة العربية حالياً.. غير مقبول. فهي لم تصبح لغة العلم والتكنولوجيا، وهذا معروف، لأن العلم في معظم جوانبه مستورد، وأصبح التعليم به في الدراسات العليا، في معظم بلاد العالم.. باللغة الإنجليزية. وكثير من البلاد الأوروبية تقدم تعليماً جامعياً باللغة الإنجليزية. ولكن اللغة العربية لم تعد في مصر.. لغة الاقتصاد ولا التجارة ولا السياسة ولا البنوك، ولا البزنس، ولا حتى لافتات المحلات ولا أسماء المولات.
ولكن اللغة العامية والفصحى.. مازالتا هما اللغة الأساسية لمعظم المصريين، ومازالت الصحف تكتب بالفصحى البسيطة، التي تدمج فيها كلمات من العامية، ومازالت العامية هي لغة كل المصريين.. باستثناء مجموعات قليلة من «شباب إيجبت»؛ إذن من الواجب الوطني.. أن نؤكد على تدريس العربية في جميع المدارس المصرية، وأن تكون اللغة العربية مادة نجاح ورسوب. أما دراسة الدين.. فهي أمر مختلف.
حين كنت تلميذاً، كان الدين مادة تدرس لنا بداية من المرحلة الإعدادية، وكان من يدرسها مدرس اللغة العربية.. الذي لم يكن أزهرياً. وكان لمادة الدين حصة واحدة في الأسبوع. وكان التلاميذ المسيحيون يُجمعون – في فصل واحد أو فصلين – في نفس الوقت، وكان أحد المدرسين المسيحيين يقوم بتدريس حصة الدين لهم، ولم يكن هناك شيخ أو قس.. يدرس هذه المادة. كانت مادة الدين يدرس فيها مبادئ الدين، وكان التركيز.. على علاقة الدين بالأخلاق الحميدة، وكيف ينهى الدين عن كل الأفعال السيئة، وكيف يحض الدين على الصدق والتسامح والأخوة، وعدم الاعتداء على الغير، أو استخدام ألفاظ بذيئة. ويضاف إليها شرح العبادات.
ومع الانتقال إلى الثانوي، استمر تدريس الدين في حصة واحدة في الأسبوع، وبالطبع ارتفع مستوى المحتوى لدرجات أعلى. الدين – كان يدرِّسه مدرس مسلم أو مدرس مسيحي – ليس له علاقة بالأزهر أو الكنيسة. وهذا منطقي لأن طلبة الأزهر يدرسون تفاصيل دقيقة وعميقة.. في تخصصات مختلفة عن الدين. وطلبة المدارس الإكليريكية أيضاً يدرسون تفاصيل دقيقة وتاريخية.. عن الدين المسيحي. المدرسة هيئة مدنية مستقلة، ومن يقوم بالتدريس فيها يجب أن يكون شخصية مدنية.. ملمة بتعاليم الدين؛ بما يكفي لتدريس التلاميذ، وهو في الأغلب يكون مدرس اللغة العربية.
قرر وزير التعليم – خلال العام الدراسي الماضي – جعل مادة الدين تضاف إلى المجموع، ولكني – وغيري كثيرين – عبرنا عن خطورة هذا الأمر.. لأنه يعطي الفرصة لبعض المدرسين ضعاف النفوس – أو المتشددين – لإعطاء درجات إضافية؛ بحجة نصرة الإسلام أو نصرة المسيحية. وهذا يؤدي إلى كارثة. وتراجع الوزير فألغى القرار.. وهذا جيد. ولكنه قرر أن يقوم بالتجويد، وينتقم من اضطراره إلى عدم إضافة الدين للمجموع، وقرر تحويله إلى مادة نجاح ورسوب، ولكن يلزم الحصول على 70٪ للنجاح.
ولا يوجد في العالم، ولا في مصر.. في تاريخ المدارس المصرية أو الأجنبية، أن كانت نسبة النجاح في أي مادة 70٪. هذه القرارات المجحفة وغير المنطقية.. تؤدي إلى مشاكل يصعب حلها، وتحرج الحكومة والدولة.. التي تساند الوزير. ولكن الوزير لا يساند نفسه، وقام أيضاً بإلغاء الجغرافيا من أولى ثانوي، وهذا يعني أن تلميذ العلوم والرياضة.. لن يدرس جغرافيا بلده بتاتاً. ودمج الكيمياء والفيزياء في أولى ثانوي، وقام برفع مواد الفلسفة والجيولوجيا واللغة الأجنبية الثانية من المجموع، وهو ما يعني نسيان هذه المواد تماماً.
تغيير نظام التعليم.. يستدعي دراسة خبراء لمدة سنوات، وليس دراسة أسابيع، ويتم إقرار أشياء خطيرة على مستقبل الوطن.. بأفكار وزير تاريخه العلمي محدود. تعديل نظم التعليم لا يتم بهذه الطريقة، وكل وزير بعمل ما في مزاجه. يجب تعديل نسبة النجاح من 70٪ إلى 50٪ وهي النسبة الطبيعية، وليس في ذلك عيب، فالرجوع إلى الحق فضيلة. وأقترح أن ما قرره الوزير في نظام التعليم.. يجب إلغاؤه، لأن التغييرات التي قام بها، سوف تؤثر سلباً على التعليم المصري، وثقافة وفكر الطلاب. سبق أن قرر وزير التعليم تخفيض الابتدائي من 6 إلى 5 سنوات، وكانت كارثة.. تم تداركها بصعوبة بعد ذلك، وبمشاكل كبيرة.
التعليم ليس لعبة، وأي فكرة تأتي على مزاج وزير.. تأتي لجنة تقررها، ويتم تنفيذها.
هناك فارق بين تعليم الدين في الأزهر – حيث يتوزع على علوم دينية كثيرة من علوم القرآن والفقه والتفسير وغيرها – فالخريجون سيكونون دعاة أو أئمة مساجد، والبعض يعمل في الوعظ، وغيره. والكليات الإكليريكية أيضاً.. تعلم وتخرج علماء في الدين المسيحي. تدريس الدين في المدارس.. يؤهلك لتكون إنساناً، وأن يكون ضميرك حياً، وأن تكون عادلاً في تصرفاتك، وتحترم الآخر وحريته، وتبتعد عن الكذب والإيذاء، وهذا هو جوهر جميع الأديان.
ليس مطلوباً من المهندس أو الطبيب أو الضابط.. أن يكون فقيهاً في الشريعة، ولكن مطلوب منه أن يكون إنساناً حكيماً أميناً وعادلاً، ولا يظلم أحداً، وهو ما يقال عنه بالبلدي «يعرف ربنا». نرجو أن يقوم بوضع منهج الدين.. خبراء في التعليم، لكل من الدين الإسلامي والمسيحي، وليتفرغ الأزهر الشريف والكنيسة.. لتعليم رجال الدين المتخصصين في علومه، وبهذا ينصلح حال الدنيا والدين معاُ. وليترك الوزير نظام التعليم في حاله، وتقوم لجنة من الوزارة والجامعة وخارجها.. بدراسة المناهج الحالية، وتعقد دراسة مدققة ومقارنة.. مع التدريس في الشرق والغرب، عندئذ فقط نقوم بالتعديل المتفق عليه.
قوم يا مصري مصر دايماً بتناديك.
نقلاً عن «المصري اليوم»