Times of Egypt

البرتقالي.. والنتن

M.Adam
أحمد الجمال

 أحمد الجمال 

تطاردني نداهة القرية معظم الوقت؛ سواء كنت في حقلي، أو غيطي الصغير في محيط المنزل، أو كنت بين أرفف الكتب أحاول التقاط أحدها، أو كنت مشدودًا لشاشة المحمول بكل حسناته وسوءاته.

وقبل كتابة هذه السطور، كنت أحاول التعامل مع آثار شهر بشنس القبطي المصري الأصيل، الذي كنس الغيط كنسًا، لم يترك عودًا أخضر إلا وجعله يابسًا أصفر؛ فلا جرجير ولا فجل، ولا بقدونس أو كسبرة.. وحتى الكرات البلدي. وبدوره، أصرًّ الكرفس.. على أن يستطيل شمروخه «زنبوخه»، الذي يحمل زهرته.. لتتحول إلى بذور متناهية الصغر!

وتذكرت بشنس في جناج.. قريتنا؛ إذ يطول النهار، ويزول الشبع النسبي من وجبة الغداء، الذي لم يكن يتجاوز العيش البطاطي والجبن القديم والقريش، ومخلل اللفت واللارنج. ولو كانت الدار في بحبوحة.. تسمح بأي غموس شم رائحة النار؛ كالباذنجان المقلي أو البطاطس؛ فتلك نعمة عظمى من نعم الله التي لا تُحصى.

وبعد العصر، ومع الهواء النقي والجهد العضلي، تبدأ زغولة الجوع في البطون، ويتم تفتيش مقطف الأكل، فلا يكون فيه إلا بقايا العيش إياه.. ولا غموس إطلاقًا.. فيكون الحل هو شواشي خضراء.. من قمة أعواد الفول والبرسيم، أو بعض أعواد الجلوين «الجعضيض» والسريس «الشيكوريا»، وحصوتين ملح من المتوافر معظم الوقت في ورقة ملقاة في «طاقة» – فجوة – بجدار قاعة الغيط «قيعة».. المبنية من الطوب اللبن، ملاصقة للنخلة الذكر وراء الزريبة!.

ومن مآسي بشنس، أن أخضر البرسيم والفول والجعضيض – الذي كان غموسنا – يختفي.. ليتم وضع كسرات العيش – مع الملح – في حجر الجلابية، ولفها عليها.. ثم دقها بطوبة أو زلطة، لتصبح أشبه بالبودرة.. ويتم سفها؛ إذ لم نكن نجرؤ على اقتراض – أو بالأصح شحاتة – غموس من آخرين. كان منهم واحد ثقيل الدم.. زهمًا فضوليًا، لا يترك فرصة إلا ويدس أنفه في كل ما يحدث عندنا، لأن الغيط من غير باب يُدَق. وحتى إذا تنحنح.. فلن يسمعه أحد، ودائم السؤال فيما ليس من شأنه، ويمنح نفسه حق جني أطايب الخيار والقتة والبامية.. من حقول الآخرين، فإذا صادفه صاحب الغيط، ونظر إليه غاضبًا في صمت.. بادره بالإحراج: «جرى إيه أمال.. دا غيطنا برضه»!

وقد بحثت عن أصل ثقل الدم، والزهامة.. التي هي من الاسم زهم، فوجدت أن أصل الأولى هو ثقل الظل، وهو كناية مجازية عن صفة الشخص الذي يتسبب حضوره في الضيق والملل، ويعكر صفو المجالس، ويشكل وجوده عبئًا ثقيلًا لا يطاق؛ مثل أي شيء ثقيل مرهق.. يود الإنسان أن يتخلص منه، ولدرجة أن ظله أو خيال جسده.. يصير شيئًا له ثقل، مع أن الأصل هو أنه لا ثقل ولا جرم للظل.

أما الزِهِم – زاي وهاء مكسورتان – فهو في الأصل اللحم.. الذي له رائحة دسامة كريهة؛ أي تغير وفاحت زفارته، فلا يطيق أحد وجوده. وكنا نستخدم الوصف دون أن نعرف أنه فصيح، وهذا هو حالنا مع ذلك البرتقالي.. ثقيل الظل الزِّهم، الذي يخيم على الكرة الأرضية كلها.. بثقله وزهامته. وليس مستغربًا أن شبيه الشيء منجذب إليه، حيث نجد أن أقرب الكائنات الزهمة إلى البرتقالي الغشيم المتعافي.. هو النتن يا هو؛ لزج كريه الرائحة، تفوح من خلاياه زفارة وحشية.. لا مثيل لها في أي مكان وأي زمان.

ولا أريد أن أظلم بشنس القبطي المصري الأصيل، بأن أصف البرتقالي والنتن.. بأنهما يكنسان كل أخضر ويابس، ويدمران كل معمور وعامر، ويخنقان البشرية.. بما يفوح منهما من غاز وسائل.

نقلاً عن «المصري اليوم«

شارك هذه المقالة